من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١١ - فالحكم لله العلي الكبير
وَجَلَّ مَالِكُهُ لَا أَنَّهُ عَلَيْهِ كَكَوْنِ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ]
[١]. وفي الحديث المأثور عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال
[يَا بَا ذَرٍّ مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ] [٢].
الثاني: أن العرش هو رمز القدرة والهيمنة، حيث فسرت الآية الكريمة وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود: ١١]، بأنه سيطرته وهيمنته تعالى. أما الملائكة الذين يحملون العرش فإنهم وسائط رحمة الله، وتنفيذ إرادته في الحياة. وإلى ذلك تشير الرواية المأثورة عن الإمام الرضا عليه السلام
[العَرْشُ لَيْسَ هُوَ اللهَ والعَرْشُ اسْمُ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ]
[٣]. وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنه حين سئل عن قول الله عز وجل وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥]، قال
[عِلمُهُ] [٤].
ويحتمل قريباً أن يكون لربنا مقام معلوم حمله علمه وقدرته، ومنه ينطلق تدبيره للخليقة وهو عرشه، وفيه ملائكة الله المقربون. وما يهمنا معرفته أن حملة العرش خلق من خلق الله وليس أنصاف آلهة، وهم مشغولون بالتسبيح والتمجيد.
هذا عن علاقتهم بالله، أما عن علاقتهم بالإنسان فهي التي تكشف عن علاقة الطبيعة بالبشر، إذ الملائكة وسائط أمر الله وتنفيذ إرادته، فهم إذن يمثلون موقف الخلائق من الإنسان، وهو يرتبط بموقف الإنسان من الحق، فإذا كان البشر على فطرته وعلاقته الإيجابية مع ربه فهم معه وإلا فلا، فما على الإنسان حتى يفلح في الحياة إلا أن يتحرك باتجاه تسخير الطبيعة التي من أهم عوامل تسخيرها العبودية لله، وحينها سوف يجد كل شيء يقف معه مؤيدا، إذ الملائكة الموكلة من قبل الله بقوى الطبيعة المختلفة سوف يكونون معه. ولو كان مجمل سلوك الإنسان صالحا فإن هفواته لا تضره إذ سرعان ما يتوب إلى الله منها فتستغفر الملائكة له منها، ولعلهم يسددون خطاه بأمر الله للعودة إلى نقائه وطهره، وقد يعصمونه بإذن الله من الذنوب الجديدة، و يثبتون قلبه، ويحفظونه من تسويلات النفس ووساوس الشيطان، ويبدو أن هذا من علامات قبول التوبة.
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وهم من أعظم ملائكة الله، ولعلهم أول من يتلقون أمر الله. والمُشعِر بأنهم ملائكة العطف على وَمَنْ حَوْلَهُ من الملائكة الآخرين كما في قوله
[١] بحار الأنوار: ج ٣ ص ٣٣٣.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥٥، ص ٥.
[٣] الكافي: ج ١، ص ١٣٠.
[٤] بحار الأنوار: ج ٤، ص ٨٩.