من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٥ - واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم
واستجاب الله دعواته الخالصة بالنصر. ألم يعدهم بذلك حين قال: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم؟ فما بقي عذر لهؤلاء الذين يحاجون في الله، ولا يسلمون أمرهم لرسوله، وحان ميعادهم، فحجتهم داحضة، ليس فقط لأنها باطلة، بل وأيضا لأن الاستجابة للرسالة هيأت أرضية نصر الله لها .. وسوف تتوالى عليهم الهزائم الفكرية بدحض حجتهم، والهزائم الدنيوية والسياسية بأن عليهم الغضب المتمثل في الفشل، والأخروية بأن لهم العذاب الشديد. ومن هنا نعرف أنه حين يستجيب فريق للرسالة فإنه يقترب ميعاد نصرها من عند الله، وتكون حجة المعاندين داحضة، وسعيهم في ضلال.
[١٧] ومن المقاييس التي يعرف الحق بها القرآن بآياته البينة الواضحة ثم الميزان. اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِ جملة الحقائق، ابتداء من التذكرة بالله وأسمائه الحسنى وآياته في الأنفس والآفاق، واستمرارا مع تبصرة الإنسان بنفسه وشفاء أدوائه، وانتهاء بالأحكام التي تفصل بين الناس بالعدل. وَالْمِيزَانَ وقد أنزله الله علينا حين هدانا إليه لنطبق العدل بيننا. وقد اختلف المفسرون في معنى الميزان، فقال البعض: إنه مجمل الأحكام الشرعية التي جاءت بها الرسالات. أوليست تفصل بين العباد، وتحدد حقوق وواجبات كل واحد بالنسبة إلى الآخرين، وأن المعنى أن الله أنزل الميزان في الكتاب، الذي ليس فقط يشتمل على الحق بل ويفصله ضمن موازين أي أنظمة عادلة. وقال أكثر المفسرين: إنه العدل، ولكن لم يذكروا كيف أنزله الله. وقال البعض: إنه هذا الميزان الذي يقيس به الناس أشياءهم، ولم يحدد هو الآخر كيف أنزله الله.
ولكن يبدو لي أن الميزان- هنا- شيء آخر أنزله الله إلى جانب الكتاب، ويشهد على ذلك أنه لم يعطف كلمة الميزان إلى الحق بأن يقول: أنزل الكتاب بالحق وبالميزان.
وقد قال ربنا في سورة الحديد وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٥].
وقال سبحانه في سورة الرحمن وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ [الرحمن: ٧- ٨].
وقال تعالى في سورة [الأعراف: ٨٥] فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ.
فالميزان- إذا- قيم الكتاب، وأوضح معانيه هذا الذي يتعارف الناس عليه في قياس سلعهم، وفي تحديد حقوق بعضهم على البعض، ويبقى السؤال: كيف أنزله الله؟.