من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٩ - إن ذلك لحق تخاصم أهل النار
محور الحوار الذي دار في الملأ الأعلى حين خلق الله الإنسان الأول، وأسجد له ملائكته، ورفض إبليس السجود تكبرا، وبالتالي أنه هدف خلق البشر، و حكمة سجود الملائكة له، فكيف يجوز التهاون فيه؟!.
[٧٠] إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إن دور الرسول صلى الله عليه واله هو الإنذار بوضوح، ومسؤوليته إبلاغ الرسالة إلى الناس كما هي بالضبط، وفي هذا تمهيد للحديث الذي سيتطرق له الدرس القادم حول قضية آدم وإبليس، التي تمثل جانبا من الغيب، حيث يحتاج التسليم لما يقوله الرسول فيها لهذه المعرفة بدور الرسول، ذلك أن الجدل الذي دار عند خلق الإنسان في الملأ الأعلى بين الملائكة وربهم- سبحانه وتعالى- كان حول حكمة خلق الإنسان الذي يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، ولكن ربنا قال لهم يومئذ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠]. وكان من علم الله انبعاث الرسل، وإيمان فريق من الناس بهم، وخلوصهم في عبادة ربهم، برغم عواصف الشهوة، ونوازع الكبر والغفلة، وضغوط الطغاة، مما جعل هذا الفريق هم صفوة الخلق الذين باهى بهم الله ملائكته المقربين.
وهكذا نقرأ في النصوص الإسلامية: أن ما اختصم به في الملأ الأعلى الأعمال الصالحة التي بادر إليها المخلصون من البشر، فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله قال
(قَالَ لِي رَبِّي أَ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟. فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: اخْتَصَمُوا فِي الكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ.
فَأَمَّا الكَفَّارَاتُ: فَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ، وَنَقْلُ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَأَمَّا الدَّرَجَاتُ فَإِفْشَاءُ السَّلَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)
[١]. وتضيف رواية ثانية عن النبي صلى الله عليه واله: (...
وَوَلَايَتِي وَوَلَايَةُ أَهْلِ بَيْتِي حَتَّى المَمَاتِ) [٢].
وإذا تدبرنا في سياق الآيات لعرفنا أن أعظم أهداف خلق البشر هو توحيد الله، ولا يتحقق توحيد العبد ربه إلا بالتسليم لولاية الله وولاية من عقد الله له الولاية، ورفض الأنداد والآلهة التي تعبد من دون الله، أما مجرد الصلاة دون التسليم للقيادة الشرعية فإنها فارغة عن جوهر العبادة. أرأيت الطغاة يمنعون عن الصلاة؟ كلا .. بل ترى بعضهم يبادر إلى بناء المساجد، وإقامة الصلوات الحاشدة فيها، ولكنهم يتكبرون في الأرض بغير الحق، فهل تشفع لهم صلاتهم هذه؟ كلا .. لأنهم ينازعون الله رداءه، ويغتصبون الولاية الإلهية ويدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله.
[١] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٣٧٥.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦٧، ص ٦.