من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٧ - وأمرهم شورى بينهم
ويتساءل البعض: لماذا أمرنا الله- إذا- بالعفو في آيات عديدة؟.
والجواب: إن التعافي إنما هو بين المؤمنين، أما إذا كان العفو سببا لتمادي الظالم في ظلمه فإنه لا يكون حسنا، جاء في الحديث المأثور عن الإمام زين العابدين عليه السلام
[وحَقُّ مَنْ أَسَاءَكَ أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ وإِنْ عَلِمْتَ أَنَّ العَفْوَ يَضُرُّ انْتَصَرْتَ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ] [١].
[٤٠] وحيث توجد بعض الجوانب السلبية في نفس الإنسان، فإذا به وهو يجاهد لمقاومة الظالم يصبح أظلم منه، أو ينشر الفساد والبغي تحت راية المقاومة، أكد القرآن على ضرورة التقوى في المقاومة، وأن لا يتعدى المؤمنون حدود الله في جهادهم للظلم والظالمين، بل ويدعوهم للعفو والإصلاح ما استطاعوا إليه سبيلا. وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فالمقابلة مشروعة ولكنها محدودة بالتماثل إذ قال ربنا فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]. وهذا التأكيد من قبل الله على التماثل مهم جدا، لأن النفس البشرية تزلزلها ردات الفعل وتخرجها من حد المعقول، فإذا بالضربة الواحدة تقابل عندها بعشر ضربات مثلها تشفيا وانتقاما و علوا واستكبارا، وهذه المعادلة مرفوضة بتاتا في كتاب الله. لذلك ينبغي ومن أجل الاحتياط وعدم مخالفة قانون التماثل في القصاص، أن يأخذ الإنسان أقل من حقه ولو بقليل، والمثل الذي يقول: (نرُّد الصاع بصاعين) لا يصلح قاعدة للقصاص عند الإسلام، وإنما الصاع ينبغي أن يقابل فقط بصاع، كما قال القرآن الحكيم في معرض حديثه عن بني إسرائيل وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة: ٤٥].
ويرتفع الإسلام بأتباعه إلى قمة الفضيلة والإحسان بدعوته للعفو. فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ و الدعوة للعفو هنا لا تدل على أن ربنا يأمر بغض النظر عن الظالمين، أو أنه سبحانه يدافع عنهم، كلا .. فهو لا يحب الظالمين كما تشير إلى ذلك خاتمة هذه الآية الكريمة، ولكن الإنسان لا يمكنه أن يحكم قطعيا على الآخرين بالظلم من خلال تعامله اليومي مع الناس، فبرغم أن فلانا ظالم استنادا إلى بعض ممارساته فيقع فيما وقع فيه الظالمون من البغي على الناس زعما بأنهم إنما يستردون منهم حقوقهم المسلوبة فينبغي له أن يعفو عن الناس ما أمكنه ذلك، وبالذات إن العفو في كثير من الأحيان يكون نفسه دافعا قويا للمسيء نحو التوبة والاعتذار، وبالتالي الإصلاح، وهذا الأمر هو الذي يجعل من العافي مصلحا، حسبما تشير الآية إليه. أما الذين يتسرعون ويغضبون لأتفه الأسباب، أو لمجرد بعض الأخبار
[١] من لا يحضره الفقيه: ج ٢، ص ٦٢٥.