من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٩
ولا تقصير في القائد، بمقدار ما يدل على ابتعادهم عن ميزان العقل الثابت، واتباعهم لطبائعهم المتقلبة، التي تتأثر بالضغوط والعوامل الخارجية، والتي يستعرضها السياق هنا ليهدي الإنسان إلى مراكز ضعفه، لكي لا يستبد به الغرور فيكفر.
إن ضعف الإنسان يتمثل في تقلب حالته النفسية مع تقلبات الظروف الخارجة عن إرادته، فهل تكون هذه الحالة ميزانا صالحا لتقييم الحق والباطل، أو منهجا سليما للسلوك، أم لا بد من اتباع الرسول. وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وتوقف عند حدود النعمة دون التفكير فيما يترتب عليها من مسؤولية، وقد نهى الله عن الفرح قائلا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦]. وقال في موضع آخر لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ [آل عمران: ١٨٨]. والفرح المنهي عنه هو حالة الإشباع التي تؤدي إلى الغرور أو نفي المسؤولية والوصول إلى الكمال. وهذا الشعور يوقف مسيرة التقدم عند الإنسان، وعلى العكس من ذلك لو أشعر نفسه بأن أمامه مسؤوليات أخرى لم يؤدها، فإنه يستشعر الحزن في نفسه لاعتقاده بالتقصير في عمله.
وهكذا أوصانا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حين قال
[واعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ المُؤْمِنَ لَا يُصْبِحُ ولَا يُمْسِي إِلَّا ونَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ فَلَا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا ومُسْتَزِيداً لَهَا فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ والمَاضِينَ أَمَامَكُمْ قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ وطَوَوْهَا طَيَّ المَنَازِلِ]
[١]. وأوصى الإمام الكاظم عليه السلام بعض ولده بذلك قائلا
[يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِالجِدِّ لَا تُخْرِجَنَّ نَفْسَكَ مِنَ حَدِّ التَّقْصِيرِ فِي عِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وطَاعَتِهِ فَإِنَّ اللهَ لَا يُعْبَدُ حَقَّ عِبَادَتِه
] [٢].
وهناك جانب آخر من طبيعة البشر هو اليأس عند المصيبة والابتلاء، حيث ينسى نعم الله عليه بسبب مصيبة يتعرض لها في حياته، مما يدل على مدى ضعفه. ولماذا يكفر بالنعم؟ لأنه فقد بعض المال أو أصابه شيء من المرض، أفلا فكر في سائر نعم الله التي لا يزال يتقلب فيها، ألا تذكر أيام الرخاء والراحة عندما كان يفرح بالنعم ويحسب أنها دائمة لا تزول عنه أبدا؟!
بلى، ينبغي أن يركز المبتلى نظره في سائر نعم الله عليه، فيستعيد شخصيته، و يثق بربه، ويسرع في مقاومة البلاء بروح إيجابية، كما ينبغي أن يتذكر أبدا نعم الله السابقة عليه فيزداد بالله أملا وله حمدا كثيرا، كما فعلت امرأة أيوب حيث حاول إبليس إغواءها عندما أحيط بها البلاء، فنهرته واستقامت على صبرها وتجلدها حتى فرج الله عنها .. جاء في الحديث: إنه جاءها ذات
[١] بحار الأنوار: ج ٦٨، ص ٢٣١.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٧٢.