من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٢ - بل الذين كفروا في عزة وشقاق
وليس رفض هكذا دعوة يأتي بسبب أن الرافضين لا يجدونها حقة، وإنما لاعتزازهم بالواقع الفاسد، حيث تقوم دولة على كل قطعة أرض ويرتفع علم ويتسلط حاكم مغرور.
[٦] ولا شك أن أول من يسعى للإبقاء على الواقع القديم برموزه الصنمية هم أصحاب الوجاهة الاجتماعية، والصدارة السياسية، والثروات المسروقة لأنهم إنما يستعبدون الناس، ويمتصون جهود المجتمع من خلال هذا الواقع الفاسد، فأية محاولة للتغيير تعني تقويض مصالحهم وهكذا تراهم يهبون للدفاع عنه، ومحاربة الفكر الجديد، بشتى الأساليب ومن أبرزها إثارة العزة بذلك الواقع. وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ وهم المستكبرون في المجتمع، والذين يقودون المعارضة ولا زالوا ضد الأنبياء والحركات التغييرية، وهمهم الأكبر الإبقاء على التخلف فإذا بهم يدفعون عجلته بهذا الاتجاه. أَنْ امْشُوا ويوحون للناس بأن مسيرتهم تقدمية وصحيحة بالتضليل والتجهيل. ولكن لأن فطرة الإنسان تخالف الباطل، ولأن الباطل تقف ضده كل عناصر الوجود وسننه فإن قبوله صعب نفسيا وعمليا على البشر، لهذا أكد الملأ على ضرورة الصبر. وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ كما أن من أساليب الطغاة في جر الناس إلى معارضة المصلحين، أنهم يحاولون إقناعهم بأنهم يستهدفون مصالحهم ومقدساتهم، فإذا نهضت طلائع المجتمع للثورة، وقامت ببعض الأعمال الجهادية قالوا للناس: (بأن هذه الأعمال لا تستهدف السلطة وحدها إنما تستهدف أمن المواطن واستقراره أيضا، وبالتالي فمسؤولية القضاء على المخربين (في زعمهم) هي مسؤولية الجميع) ويؤكدون إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ وهناك تفسيرات عديدة لهذه الكلمة نذكرها تباعا
ألف: وهو الذي يبدو أقربها أن الملأ أرادوا من هذه الكلمة أن الاستمرار على عبادة الآلهة شيء مطلوب وحميد، اعتزازا بالباطل والإثم ذلك أن من سلبيات النفس البشرية أنه يصعب عليها فردا وأمة التراجع عن الخطأ حتى لو تبيَّن له.
باء: أن الملأ أرادوا بهذه الكلمة تشويه شخصية الرسول صلى الله عليه واله، فكأنهم قالوا بأن هدفه من الرسالة والإنذار هو المنافع الشخصية التي يريدها لنفسه. وهذه من الطغاة، أنهم يتهمون المصلحين بذلك.
جيم: أن هذا المقطع من الآية هو كلام الله سبحانه وهو رد على قول الكافرين تعليقاً على دعوة التوحيد إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ.
[٧] ويوصل السياق بيانه لأساليب الملأ في التضليل عن الحق. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إن الشرعية والقدسية في نظرهم تكون للدعوة التي تنتمي إلى الواقع وتتجانس معه،