من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٢ - وأشرقت الأرض بنور ربها
أَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَ اسْتَغْنَى العِبَادُ عَنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَ ذَهَبَتِ الظَّلَمَة)
[١]. ولا شك أن نهوض إمام الحق وما يتبع ذلك من قيام حكومة العدل الإلهية هو من أبرز تجليات نوره تعالى، أوليس الأنبياء والرسل والأولياء هم نور الله في الأرض؟.
وَوُضِعَ الْكِتَابُ ليحاسب الله الناس على أعمالهم، والكتاب هنا هو الميزان والمقياس ونستوحي من ذلك أن الأشياء تتحول في الآخرة من صيغتها المعنوية إلى المادية، فالكتاب الذي هو ميزان الحق والباطل، وفرقان بينهما في الدنيا، يتحول إلى ميزان محسوس يراه الناس في الآخرة. وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وهم ميزان آخر لمعرفة الحق والباطل ومحاسبة الناس، فالأنبياء ميزان بعصمتهم وسلوكهم النموذجي، بينما الشهداء ميزان بمواقفهم وشهادتهم على مجتمعاتهم، حيث كانوا طليعتها، و لعل الشهداء هنا أشمل من أن نحصرها في أولئك الذين يجاهدون من أجل الحق، ويسقطون مضرجين بدمائهم، إنما هم كل من يلتزم بالحق فيصير حجة على الناس. فأيوب عليه السلام حجة على الذين ينهزمون أمام الابتلاء، ويوسف عليه السلام حجة على الذين يغترُّون بجمالهم، كما أن الذين يثورون ويتجاوزون إرهاب الطغاة حجة على القاعدين والخانعين.
وحيث يحضر هذان الميزانان يحاسب الناس بهما وفيهما يتجلى الحق. وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وعدم الظلم نتيجة مترتبة على كون المقاييس حقانية وعقلانية، وإنما يجور الحاكم باتباعه الباطل في قضائه، ومادام الأمر كذلك فالناس إذن هم الذين يظلمون أنفسهم بمخالفتهم الحق إذا قضي عليهم بالعذاب. والله يقول بهذا الشأن إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: ٤٤].
[٧٠] ثم يؤكد الله عدالته في الحساب. وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ والسؤال: لماذا لم يقل الله ووفِّي كل شخص، أو ووفِّي كل إنسان، والجواب كما يبدو أنه تعالى يريد بيان حقيقة مهمة، وهي أن الإنسان لا يحاسب على أعماله الظاهرة التي يمارسها بأعضائه وحواسه وحسب، بل يلاقي جزاءه خيرا كان أو شرا حتى على أعمال النفس وتصرفاتها، على فكره، وحبه وبغضه، والحساب الإلهي ليس قائما على الجهل أو الظنون، إنما يقوم على علم الله المطلق وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ وعلمه تعالى أدق من علم الإنسان بنفسه بل حتى من حساب الملائكة الحفظة، لأن البشر معرض للزيادة والنقصان في حساباته، وذلك بسبب وقوعه تحت تأثير عوامل كثيرة كالغفلة والنسيان والجهل وغير ذلك ولأن الله قد يخفي حتى عن ملائكته بعض أعمال الإنسان سترا له.
[١] بحار الأنوار: ج ٥٢، ص ٣٣٧.