من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨ - قل نعم وأنتم داخرون
يدل على أن عقل الإنسان يحتوي على حقائق كثيرة لو استثاره صاحبه.
[١٤] وهؤلاء ليس فقط لا يعودون إلى ذاكرتهم إذا استثيرت، إنما يرفضون الانصياع للحق مع ظهور الآيات والشواهد عليه، وأعظم من ذلك جرأة على الله أنهم يستثيرون الناس للسخرية على الحق وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ.
وقد تكون في الآيات إشارة إلى ثلاث مراحل يمر بها هؤلاء في رفضهم للحق
الأولى السخرية بالحق لمجرد رؤيته.
الثانية: قسوة القلب، وهي نتيجة للسخرية حيث تتراكم عليه الحجب، فلا يعود صاحبه قادرا على التفاعل مع التذكرة، ومطابقة الحق الخارجي مع الفطرة البشرية والعقل.
الثالثة: محاربة الحق ومحاولة صد الناس عنه.
[١٥] ومن أجل أن يبرر هؤلاء كفرهم بالحقيقة، ويضلون الناس عنها يلجؤون إلى إثارة الشبهات حول الحقائق
الشبهة الأولى: حاولوا من خلالها تشكيك الناس في أصل الرسالة وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ واختاروا تشبيهها بالسحر، لأنه أقرب الأمور وأشبهها للحق ظاهريا، ومن قصة النبي موسى عليه السلام يتضح لنا أن حبال السحرة خُيِّلت للناس أنها تسعى، إلا أن الفرق بين السحر والحق أن السحر لا واقع له، بينما الحق واقع قائم.
[١٦] الشبهة الثانية: قالوا: كيف يُبعثُ الإنسان بعد أن يصير ترابا وأعضاء ممزقة؟! لأنهم يريدون حياة لا مسؤولية فيها، وهذا الاعتقاد يلتقي مع عبادتهم للجن وسائر الشركاء الذين يعبدونهم ليرفعوا عنهم المسؤولية بالشفاعة أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ.
[١٧] ثم يضيفون استهزاءاً وسخرية أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ الذين تلاشوا في التراب؟!
[١٨] فيجيبهم الله على لسان نبيه صلى الله عليه واله إذ يترفع عن مخاطبتهم تحقيرا لهم وإصغارا، وهكذا لا نجد في القرآن ولا آية واحدة، تشتمل على خطاب مباشر من الله للمشركين والكفار على صعيد الدنيا قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ أي ساجدين مستسلمين للإرادة الإلهية، حيث تنتهي الحياة الدنيا وحرية الإنسان تباعا لها، ولا يبقى هناك إلا العمل والحساب، حيث تتجلى المسؤولية التي لا محيص منها تجليا تاما.