من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٩ - يا داود إنا جعلناك خليفة
ومن الصعب على البشر أن يجمع بين هاتين الصفتين، لأن صاحب القوة عادة ما تستهويه زخارف الحياة ويركض وراءها، حتى ولو خالفت الحق. وكما يحتاج المؤمن للقوة حتى ينفذ خططه في الحياة ويبلغ أهدافه وتطلعاته، فإنه يحتاج إلى الإيمان، وذلك لكي يعود تائبا إلى ربه بدافع الإيمان كلما جرَّته القوة إلى ساحل الغرور والمعصية.
[١٨- ١٩] وتحدثنا الآيات عن جانب من القوة التي بلغها داود عليه السلام في حكمه، فقد أخضع له الحياة بشقيها الجامد والمتحرك، وهكذا تخضع الحياة إلى كل من يتبع الحق، لأنه بالإضافة إلى قوة الغيب التي تعينه حينذاك، يهتدي به إلى الأسباب والقوانين التي يمكنه تسخيرها، فلقد سقطت الحجب بينه وبين حقائق الخليقة، فإذا بها تستجيب له. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ وكل شيء يسبح الله بصورة مستمرة، ولكن لا نفقه تسبيحه كما يقول تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء: ٤٤]. وقد جعل الله الجبال تسبح عندما يسبح داود عليه السلام ولعلنا نستوحي من الآية أنه أعطي الطاقات الموجودة فيها، كالأحجار الكريمة والوقود. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ يعني مجموعة له يستفيد منها كيفما يشاء. وربما كان الإنسان قديما يستغرب لو سمع بهذه الآيات، أما وقد تقدمت البشرية في العلم، فهي تعتمد الآن الجبال في كثير من الشؤون، كما أن هناك محاولات- نجح الكثير منها- للاستفادة من الطيور في مجالات الحياة المختلفة، وتوجد الآن تجارب جادة للاستعانة بها في الشؤون الطبية والعسكرية، ومن قصة سليمان عليه السلام التي مرت في سورة سبأ يتبين أنه كان عليه السلام يبعثها للاستكشاف.
[٢٠] وبالإضافة إلى هذه القوى المادية والإمكانات التي تدخل كعنصر فعال في سيطرة داود وسلطانه، كان الله يزيده قوة وتمكنا يوما بعد يوم، ولو كان ظالما لما زاده مرور الأيام إلا ضعفا وَوَهنا. وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ بمختلف أٍسباب القوة هذا من الناحية المادية. أما من الناحية التشريعية والإدارية فقد أعطي ما يقوي حكمه وسلطانه أيضا. قال تعالى وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ والحكمة تعني أن يحيط الإنسان علما بالخليقة وبنفسه ويعرف: كيف يتصرف فيها تصرفا سليما. أما فصل الخطاب فهو الكلام الذي يفهم الطرف الآخر الحقيقة بما يقطع دابر الشك، ويزيل حجاب الجهل فداود عليه السلام إذا يصيب الحق بحكمه ويبينه أفضل البيان بخطابه، وهذان الأمران من أهم ما يلزم المدير المسؤول سواء في موقع خطير كالولاية، أو أقل من ذلك كالأسرة والمؤسسة الاجتماعية أو غيرها. والنصوص الإسلامية تؤكد على ضرورة اختيار الأسلوب الأنسب كما تؤكد على المحتوى يقول تعالى ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: ١٢٥].