من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٧ - أم نجعل المتقين كالفجار
هدى من الآيات
عندما طالب الكفار بتعجيل حسابهم والإسراع في إعطائهم نصيبهم (من الثواب أو العقاب) قال ربنا لرسوله الكريم اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ومن خلال قصة داود عليه السلام ذكرنا كيف عجل الله له الجزاء في الدنيا متمثلا في الملك والذكر الحسن، مما هدانا به إلى أن العمل الصالح جزاءه الأوفى (في الدنيا أو العقبى) وهاهو السياق يبلغ بنا إلى الجواب الفصل لسؤال أولئك الذين أنكروا النشور ويقول: إن قصة داود عليه السلام تدل على أن الحق هو محور الخليقة، فداود بلغ ما بلغ لأن الله يحكم بالحق (و من الحق جزاء المحسن بالحسن) وليس هذا سوى مثل لكل تقديرات الرب، ومنهج تدبيره للخليقة (حيث إنها قائمة جميعا على قاعدة الحق) وهذا بالتالي يهدينا إلى أن المتقين ليسوا كالفجار لأن تساويهما يتنافى والحق الذي قامت به السماوات والأرض. وهكذا لا بد من الجزاء الأوفى في الآخرة.
هذا من جانب، ومن جانب آخر يتنافى مبدأ الحق وخلافة الفجار في الأرض.
لأن هكذا خلافة لا تبلغ أهم أهداف الحياة وهو تطبيق الحق، وبهذه الآيات ينفي ربنا نفيا قاطعا كل الأكاذيب والأفكار الباطلة التي حاول محرفو التوراة أو من اقتبس منهم إلصاقها في نبيه داود عليه السلام حين اتهموه في تقواه ونزاهته. ثم يدعونا الله للتدبر في القرآن مما نجد مثيلا لهذا الأمر في سورة المائدة في موضوع الخلافة، لأننا حينما نعرض تصوراتنا وأفكارنا على كتاب الله، فسوف تتبين لنا أن خلافة الظالمين لا تنسجم ومجمل بصائره وهداه.
ثم يحدثنا القرآن عن جانب من حياة سليمان بن داود عليهما السلام، الذي تجاوز هو الآخر فتنة السلطة، فلم تخرجه زينتها من خط الطاعة والإنابة، بل كان يزداد خضوعا لربه تعالى، لأنه يعتبر كل شيء نعمة إلهية تستوجب الشكر. وبذلك ضرب مثلا للسلطان الصالح كما فعل والده من قبل.
بينات من الآيات
[٢٧] في الآيات السابقة بَيَّن ربنا صفات الخليفة الذي يجعله في الأرض (حيث ذكرتنا الآيات بعشرين صفة حسنة في خليفة داود) ومن أبرزها حكمه بين الناس بالحق.
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا كيف يتخذ الباطلَ الرَبُ الذي لا يجعل خليفة في الأرض إلا الصالحين الذين يمتحنهم أشد الامتحان حتى يحكموا بالحق. إن آيات