من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٢ - سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[٤٨] وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ عرفوا أنه ليس للشركاء المزعومين دخل في الأمر. وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ المحيص هي تلك الحفرة الصغيرة التي يحفرها الطير- كالقطا مثلا- بجؤجؤته أي بصدره في الأرض، وهؤلاء المشركون يظنون أي يعلمون يقينا أنهم لا يقدرون على التزحزح عن مسؤولياتهم ولا بهذا المقدار، ولعل الظن بمعنى التصور، وهو هنا يقع معنى تجسد الحقيقة أمام أعينهم.
[٤٩] في أعماق نفس البشر آيات باهرة تهديه إلى ربه، ولو تدبر الإنسان في ذاته، وكيف تطرأ عليه الحالات المختلفة من طمع لا يحد، ويأس لا يوصف، لعرف حاجته إلى الخالق، وأنه قد أركس في العجز والفقر والمسكنة إركاسا. إن البشر حين ينازع ربه رداء كبريائه يحتجب عن نور الله، لأنه قد جهل نفسه، ولم يعرف آماد عجزها وضعفها، وشدة فقرها وفاقتها، أما حين يتصور حالاته المختلفة يعرف نفسه، ومن ثم يعرف ربه. وربنا يرينا آياته في أنفسنا فيقول لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ إنه عميق الإحساس بالحاجة إلى الخير من الغنى والعافية، والأولاد، وسواء دعا ربه أم دعا الشركاء فهو محتاج، والمحتاج فقير ذليل عاجز، وهو بالتالي ليس بإله ولا نصف إله. إنه محض عبد، صفر اليدين. إنه يتوب إلى ربه الغني، ويعلم بفطرته أنه غناه، والتقرب إليه مناه حقا، وأنه قد ضل الطريق، وأن حرصه على الدنيا لا يشبع طموحه، ولا يشفي غليله، إنما الأوبة إلى ربه غاية تطلعه، ونهاية منيته.
يقول الإمام السجاد عليه السلام وهو يناجي ربه
[إِلَيكَ شَوقِي، وَفي مَحبَتَّكَ وَلَهِي، وَإِلى هَوَاكَ صَبَابَتِي، وَرضَاكَ بُغْيَتِي، وَرؤُيَتكَ حَاجَتي، وجِوَاركَ طَلَبِي، وَقُربُكَ غَايَةَ سُؤْلِي، وَفِي مُنَاجَاتِكَ رُوحِي وَرَاحَتِي، وَعِندَّكَ دَوَاءُ عِلَّتِي، وَشِفَاءُ غَلَّتِي، وُبَردُ لَوْعَتِي، وَكَشْفُ كُرْبَتِي
- إِلَى أَنْ يَقَولُ:-
وَلَا تَبْعُدنِي عَنْكَ، يَا نَعيَمِي وَجَنَّتِي، وَيَا دُنْيَايَ وَآخِرَتِي] [١].
وهذه النفس الواسعة التي تتطلع إلى امتلاك الدنيا وتزيد قد تضيق بها الآفاق حتى يطبق عليها اليأس من أطرافها. أوليس ذلك دليلا على فقر البشر، وشدة حاجته، وسفاهة تكبره على ربه. وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ولعل اليأس هو قطع الأمل قلبيا، بينما القنوط هو التوقف عن السعي بسبب اليأس، والكلمتان مثل لفظتي اليوم والنهار إذا اجتمعتا افترقتا، وإن افترقتا اجتمعتا، فلو استخدمنا لفظة اليأس فقط أعطت معنى القنوط، وهكذا العكس، ولكن حينما نستخدمهما فإن لكل واحدة منهما معنى. وقال البعض: يؤوس شدة اليأس من الخير، وقنوط من الرحمة، وقال: اليؤوس من إجابة الدعاء، قنوط يسيء الظن بربه.
[١] الصحيفة السجادية: مناجاة المريدين.