من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٠ - يا داود إنا جعلناك خليفة
قصة الخصمين مع داود عليه السلام
[٢١] ويعود بنا السياق ليضرب لنا مثلا من حياة داود عليه السلام تتجسد فيه أوبته إلى الله عز وجل، وذلك في قصة حدثت له. فبينما كان قائما يصلي في محرابه إذ اقتحم الجدار عليه شخصان، ولم يأتياه من الطريق الطبيعي وهو الباب. وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ وصيغة السؤال هنا تستثير في الإنسان حب الاطلاع وتشد مسامعه للسائل حيث يستفهمه عن شيء لا يعرفه، لا سيما والمسؤول عنها قصة طريفة هي التسلق على سور المحراب، بهدف التقاضي عند صاحبه فهل سمعت أعجب نبأ منها؟
[٢٢] وتتصل فصول القصة ببعضها في أسلوب معجز من التعبير والعرض، وتسلط الآيات الضوء على النقاط والمواقف المهمة منها، والتي تنسجم مع أهداف وقوعها في هذا السياق القرآني، حيث الحديث عن السلطة وعن الملك الأواب. بالطبع لما دخل هذان الخصمان على داود، وبهذه الطريقة أخذته الخشية. إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ، لماذا فزع داود مع أن الخوف من الناس ليس مناسبا للأنبياء؟
ربما أراد ربنا أن يذكر هذه النقطة في مقابل بيانه لسعة ملك داود ليقول للبشر مهما بلغتم من القدرة فأنتم بالتالي بشر ولن تصبحوا آلهة والبشر بطبيعته يخاف، ويجهل و .. و .. فلماذا يغتر الإنسان إذن، ويعتز بما يملك؟ فهذا داود الملك المسخر له الطيور والجبال، والنبي الكريم عند ربه يفزع حين يتسور عليه المحراب رجلان.
إن داود عليه السلام أوجس خيفة في نفسه ولعله ظهرت على ملامحه علائم الخوف والوجل. قَالُوا لا تَخَفْ وعرضوا عليه أمرهم قالوا خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ أي جارَ واعتدى. فَاحْكُمْ بَيْنَنَا أرادا منه أن يقضي بينهما، ولكنهما اشترطا أن يكون حكمه بِالْحَقِ وأضافوا شرطا آخر فقالوا وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ فليس المهم أن يقضي الحاكم بالحق وحسب، إنما لا بد أن يكون وصوله إلى الحق بطريق سليم، كأن يعتمد على الأصول الشرعية لاستنتاج الحكم، حتى يهدي المتخاصمين للحق أولا، وليخرجوا من عنده راضين مقتنعين بالقضاء ثانيا.
[٢٣] وبعد أن أكملوا عرض جملة شروطهم، بدأ صاحب النعجة الواحدة يعرض الموضوع على داود عليه السلام انتظارا للحكم وفقها. قال إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ [١]
[١] والنعجة هي أنثى الضأن والنواعج من النساء البيضاوات، وقد أوردنا الشطر الثاني من التعريف لاتصاله بتفسير لهذه الآية يتبناه البعض من المفسرين.