من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦ - إنا كذلك نجزي المحسنين
[٩١- ٩٢] وقد عمد إبراهيم عليه السلام بعد أن اختار الوقت المناسب، والأسلوب الناجح، لتوجيه ضربته للواقع الفاسد، فتسلل إلى موطن الأصنام سرا وهدمها. فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ إن الذي لا تتوفر فيه إرادة الأكل والنطق كيف يكون بمستوى الربوبية التي تستدعي القدرة على الخلق؟!
وفي مطلع الآية نجد كلمة فَرَاغَ التي عبر بها الله عن وثوب إبراهيم عليه السلام على الأصنام، وهي من البلاغة بمكان رفيع، إذ تفيد معنيين، هما المكر والشدة، وهكذا كان إبراهيم عليه السلام. وراغ مستأسدا في الله يحطم رموز الباطل، ومما يتضح من نصوص التأريخ أن آزر- أبا إبراهيم بالتربية- كان سادنا للأصنام وبيده مفاتيح بيتها، فلما ذهب مع القوم للعيد سلم المفاتيح بيد إبراهيم فكانت كل الظروف مواتية لتنفيذ خطته، ومن نافلة القول أنه يتبيَّن من تاريخ البابليين بأن القوى الحاكمة للجماهير في زمنهم هما طائفتان، طائفة السدنة والكهنة التي تمثل القوة الدينية، وطائفة السلاطين التي تمثل القوة السياسية، وكانتا تتعاونان على استغلال الناس واستعبادهم، ولعل الأصنام كانت لديهم مجرد وسيلة للسيطرة على المحرومين.
[٩٣] فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ وقد أراد إبراهيم عليه السلام من تحطيمهم أن يوجه ضربة للقوتين، وللثقافة المتخلفة التي تحكم المجتمع و تسهل لهما السيطرة عليه، ولعل التعبير باليمين للدلالة على شدة الضرب بلا تردد أو خشية.
[٩٤] وهذا بلا شك يعتبر تحديا عنيفا للمجتمع، جعل إبراهيم عليه السلام يقف أمة لوحده بما يختص به من اعتقاد وثقافة وسلوك، في مقابل مئات الآلاف من الناس، ولا غرابة فإن رسالة الله والتوكل عليه تحملان الفرد الواحد على التحدي ولو لأمة بأجمعها دون أن يضعف أو يستوحش، لأن إرادة المؤمن أقوى من الجبل، لأن الجبل تحطمه الفؤوس بينما لا تنال من إرادة المؤمن شيئا، وما دام المؤمن على الحق يجب أن لا يخشى الباطل ولو اتبعه الناس جميعا. فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ لأنه الوحيد الذي بقي في المدينة، ولأن بيده كانت مفاتيح بيت الأصنام. والزَّف تعبير عن مشية معينة، تشبه انطلاقة مشية النعامة، ولعلها توحي بضرب الأرجل على الأرض، مع سرعة واهتمام.
[٩٥- ٩٦] ولكنه بقي رابط الجأش، وعازما على المواجهة. قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ والخالق هو المعبود الحقيقي الذي يجب على الإنسان التسليم والانقياد له. في البدء أخلص إبراهيم عليه السلام نفسه فأخلصه الله من تأثير الأجيال السابقة المتمثلة في عمه آزر، ثم أخلصه من الخوف والتسليم للطاغوت بل للمجتمع، فهو عليه السلام بدأ من الصفر حيث لا ناصر له إلا ربه، فضرب مثلا على الإخلاص، بانطلاقه في حركته من الإيمان بالله، والعمل بوحيه، بعيدا عن أي دافع آخر.