من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٨ - إنا كذلك نجزي المحسنين
[١٠١] ومما لا شك فيه أن للدعاء أثرا حاسما في النتائج التي يصل إليها الإنسان، فالذي يخلص نيته ويحسن عمله ويدعو الله سوف يعطيه ما تقرُّ به عينه، وهكذا فعل ربنا مع نبيه عليه السلام. فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ أي عالم عاقل حكيم لا تهزّه النوائب.
[١٠٢] وهنا أراد الله أن يبلو خليله إبراهيم، ومدى تسليمه له. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ والبلوغ بمعنى الوصول للسعي أو التمكن منه. قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ووضع ولده أمام القرار الحاسم والصعب، وكان بإمكانه عليه السلام- كسائر الناس الذين يلتفون على أحكام الله للتهرب من مسؤوليتها- أن يتهرب هو أيضا، بحجة أن الأمر كان مجرد حلم رآه في المنام، ولكنه يعلم أن الرؤيا لون من ألوان الوحي عند الأنبياء، ويجب عليه العمل وفقه. والذي لا ريب فيه أن إسماعيل عليه السلام كان أعز ما يملكه إبراهيم عليه السلامفي حياته بعد الإيمان بالله، فأراد ربنا أن يمتحن مستوى تضحيته في سبيله، فوجده مسلما وهكذا كان ولده عليهما السلام قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ ويتضح لنا من هذه الآية أن الأنبياء لا يتجاوزون الامتحانات الإلهية بالإعجاز إنما يتذوقون مرارتها وصعوباتها، فهذا إسماعيل عليه السلام يصرح عن حاجته لمشيئة الله حتى يتجاوز أهواء نفسه، وإلى الصبر حتى يقاوم صعوبات الامتحان.
[١٠٣] فَلَمَّا أَسْلَمَا لله تعالى، فصدَّق الأب الرؤيا، واستجاب الابن إلى والده. وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني أضجعه على الأرض، وفي الخبر
(فَلَمَّا عَزَمَ
- إبراهيم عليه السلام-
عَلَى الذَّبْحِ قَالَ: يَا أَبَتِ خَمِّرْ وَجْهِي وشُدَّ وَثَاقِي)
[١]. وكان هدف إسماعيل عليه السلام من ذلك أن يمضي أبوه في تنفيذ أمر الله، فلا تثنيه عاطفة الأبوة لو لاح له وجهه.
[١٠٤- ١٠٥] وفي تلك اللحظة جاءه النداء الإلهي وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا وتجاوزت الامتحان فكانت العاقبة في صالحه فهو لم يخسر دنياه، إذ فدى الله ولده بالكبش، وعمَّر آخرته حيث أطاع الله، وهو عز وجل يؤكد بأن هذه عاقبة كل المحسنين المطيعين لأوامره سبحانه. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ الذين يخرجون من قيود الذات والهوى، والعلاقات السلبية ويتوجهون بكلهم إلى ربهم عز وجل. وفي تفسير هذه الآية قال الإمام الصادق عليه السلام
(مَا بَدَا لِلَّهِ بَدَاءٌ كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ أَبِي إِذْ أَمَرَ أَبَاهُ بِذَبْحِهِ ثُمَّ فَدَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ)[٢].
[١] الكافي: ج ٤ ص ٢٠٧. تفسير القمي: ج ٢ ص ٢٢٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ٤ ص ١٠٩.