من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٨ - وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
على الخليقة، وأنه القادر على أن يصنع ما يشاء فيما خلق، وأنه المستعان على بوائق الدهور ونوائب الحياة، ولذا أضحى الدعاء العبادة الأسمى، وقال ربنا سبحانه قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ [الفرقان: ٧٧]. وقد استعرض السياق القرآني كيف أن الرجال العظام بلغوا الدرجات السامية بالدعاء، شروعا من آدم أبي البشر حيث استغفر ربه (بالدعاء) فغفر له، وآتاه النبوة والصفوة، حتى نوح حيث دعا على قومه فأعانه الله عليهم بالطوفان العظيم، وإلى إبراهيم الذي ما ونى عن الدعاء في كل موقع حتى اتخذه الله خليلا وجعله للناس إماما، وإلى موسى الذي نصره الله على فرعون بالدعاء، وكذلك سائر النبيين، الذين ما فتئوا يدعون ربهم ويستجيب لهم الله بخرق سنن الطبيعة، فمثلا حين يرزق مريم من عنده، يتذكر كفيلها زكريا حاجة قديمة في نفسه، فيدعو زكريا ربه ويطلب منه ذرية، فيرزقه الله يحيى وكانت امرأته عاقرا، وقد بلغ من الكبر عتيا .. وهكذا يعرف من خلال حياة الأنبياء مقام العبد من ربه، وكيف أنه مقام الطلب والدعاء، وهو من أبرز ما يستفيده المؤمن من قصص قدواته الصالحة الأنبياء والأولياء، وقد جاء في الأثر عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير قوله سبحانه: [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: ١١٤]، قال
الأَوَّاهُ الدَّعَّاءُ]
[١]. وجاء في حديث آخر عن الإمام الرضا عليه السلام أنه كان يقول لأصحابه
[عَلَيْكُمْ بِسِلَاحِ الأَنْبِيَاءِ فَقِيلَ ومَا سِلَاحُ الأَنْبِيَاءِ قَالَ الدُّعَاءُ] [٢].
وللدعاء فوائد عاجلة نتذكر معا بعضها
ألف: إنه أفضل دواء لداء الكبر في النفس البشرية. وإذا عرفنا أن الاستكبار أعظم حجاب بين العبد وربه، وهو العقبة الكأداء في سبيل الصلاح والفلاح، وهو مصدر أكثر الفواحش والذنوب، فسوف نعرف أهمية الدعاء. وهكذا نجد في السياق القرآني هنا ما يوحي بأن من يستنكف عن الدعاء فقد استكبر عن عبادة ربه، وأنه سوف يدخل جهنم داخرا، كما نجد هذه الآية تأتي في سياق معالجة كبر النفس الذي لن تبلغه، إلى جانب سائر طرق العلاج التي سبقت أو تأتي في هذه الآيات.
باء: الدعاء يلهم الأمل ويرفع اليأس، ويعيد إلى القلب حيويته ونشاطه وعنفوانه. أرأيت أعظم الهزيمة هزيمة القلب، وأعقد المشاكل انهيار النفس؟ بلى، والدعاء هو الدواء. كيف؟ إن الداعي يرجو ربه الكبير أرحم الراحمين فكيف يعتريه اليأس؟ وهل يظمأ من يرد على حياض مترعة؟ وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال
[إِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ القَضَاءَ المُبْرَمَ بَعْدَ مَا أُبْرِمَ إِبْرَاماً فَأَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مِفْتَاحُ كُلِّ رَحْمَةٍ ونَجَاحُ كُلِّ حَاجَةٍ ولَا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللهِ
[١] بحار الأنوار: ج ٩٣، ص ٢٩٣.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٤٦٨.