من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٤ - إن الله يغفر الذنوب جميعا
العَالِمُونَ إِلَّا الصَّادِقُونَ وهَلَكَ الصَّادِقُونَ إِلَّا المُخْلِصُونَ وهَلَكَ المُخْلِصُونَ إِلَّا المُتَّقُونَ وهَلَكَ المُتَّقُونَ إِلَّا المُوقِنُونَ وإِنَّ المُوقِنِينَ لَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ) [١].
الثاني: وقد تقدمت الإشارة إليه عند تفسير قوله تعالى في بدايات هذه السورة الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: ١٨]. وهو أن القرآن كله حسن، ولكن بالنسبة إلى ظروف كل شخص و عصره قد يختلف الأحسن، فعلى سبيل المثال الصلاة والصيام والحج والجهاد و .. و .. كل ذلك مفروض على الناس، ولكن يتأكد على كل شخص أحد هذه الواجبات أكثر من الآخرين، وأكثر من سائر الواجبات الأخرى، فالتاجر ينبغي أن يكون أقرب الناس إلى آيات التجارة والمعاملة وأعرفهم بها، بينما المقاتل يكون الأحسن له معرفته بآيات الجهاد والقتال، أما القاضي فالأحسن له المعرفة بأحكام القضاء والحدود و ما إلى ذلك، وهكذا بالنسبة للظروف التي تحيط بالشخص فإنها تحدد له الأحسن، فمثلا للمجاهد في ظروف التقية ليس الإعلان عن نفسه بل الكتمان والسرية، إذن فموقع الإنسان وظروفه المحيطة هما اللذان يحددان الأحسن.
الثالث: التوحيد الخالص وهو أفضل ما أنزله الله على خلقه، وأعظم شيء يتجلى فيه التوحيد هو اتباع القيادة الرسالية الحقة ورفض القيادات المنحرفة، وفي الخبر في تفسير الآية وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ قال
(مِنَ القُرْآنِ وَوَلَايَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام وَالأَئِمَّةِ عليهم السلام) [٢].
ويبين القرآن بعد نهيه لنا عن اليأس، ودعوته بالإنابة والتسليم لله، وأخيرا تأكيدا على اتباع الأحسن، خلفيات هذه الموعظة وأهميتها بالنسبة للإنسان فيقول مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ فهذا الإنسان الذي يَسدُر في طرق الضلال، ويسرف في اقتحام الذنوب والموبقات، رافضا الإنابة و التسليم لله، واتباع الأحسن، سوف يجرُّ على نفسه العذاب بألوانه، وسيفاجأ به، ليس لانعدام النذر والعلامات الدالة عليه، بل لأن كثرة ممارسة الذنوب والإصرار عليها يسلب الإنسان أدنى أسباب المعرفة وهو الشعور، إذ يعيش عمق الغفلة والضلال.
[٥٦] هذا في الدنيا أما في الآخرة حيث تنكشف الحقائق للإنسان، فإنه يصل إلى أعلى مراحل الوعي والشعور، فإنه يكاد يذوب حسرة حين يرى ما أعد الله للمؤمنين به الذين استغلوا فرصة الحياة الدنيا مثل الثواب، بينما أغفل هو الاستفادة من هذه الفرصة الثمينة وحين
[١] مستدرك الوسائل: ج ١ ص ٩٩.
[٢] تفسير القمي: ج ٢ ص ٢٥٠، بحار الأنوار: ج ٢٤ ص ١٩٤.