من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٥ - وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم
شيء حي.
ولقد ذكرتنا فاتحة هذا الدرس بهذه البصيرة، وأن الردَّى الذي هوى إليه أولئك الخاسرون كان بسبب ظنهم السيئ بربهم فلم يقدروه حق قدره، ولم يعرفوه كما ينبغي، وأنه يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩]، وأنه لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طه: ٨٢]. و الآن لا يجديهم الصبر راحة، ولا العقاب خلاصا، بل النار مثواهم أبدا. وبذلك الظن قيض الله لهم قرناء السوء من الشياطين، من الأمام والخلف يزينون لهم سوء أعمالهم، حتى لا يهتدوا أبدا. ذلك لأنهم تركوا الاعتصام بحبل الله المتين، وقالوا لبعضهم لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ بإحداث أصوات مزعجة لكي لا يسمعه الآخرون وذلك لغاية لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
وحين يفرغ القلب من ذكر الله تهجم عليه الشياطين، وهكذا يذيق الله الذين كفروا عذابا شديدا، ويجزيهم أسوأ عمل عملوه حين تتمثل السيئات بألوان من العذاب، وذلك جزاؤهم بما عادوا ربهم أنهم يدخلون النار خالدين فيها، لأنهم جحدوا بآيات الله بعد أن استيقنتها أنفسهم. وفي الدنيا تراهم يطيعون قرناء السوء من الجن والإنس، بينما هم في الآخرة يبحثون عنهم ليجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين لشدة غضبهم عليهم وبراءتهم منهم.
بينات من الآيات
[٢٢] لم يكن الكافرون يخافون- حين عصيانهم- من شهادة سمعهم وأبصارهم وجلودهم عليهم، بل إنهم لم يكونوا يتصورون شهادتها عليهم، إذ كيف تشهد عليهم هذه العين المطيعة لأوامرهم، وتلك الأذن والجلود التي راعوها وحافظوا عليها؟!.
بلى، إنها لن تسمع أوامرهم في الآخرة، بل وستشهد عليهم شهادة الحق. ثم إنهم حتى ولو عرفوا في الدنيا بشهادة الجوارح عليهم لا يقدرون على التخلص من رقابتها، لأن الإنسان يتمكن من ستر أعماله وحجب تصرفاته حتى عن أمه وأبيه، ولكن كيف يسترها عن عينه أو يده أو جلده؟.
من هنا: إذا كانت شهود الله على الإنسان أعضاؤه، فلا بد أن يخاف مقامه، ويتقيه على نفسه. وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ يبدو أن معناه: إنكم لم تستتروا، ولا كنتم قادرين على أن تستتروا. ولنفترض جدلا: أن الأعين والآذان والجلود لن تشهد على الإنسان أثناء الحساب، فهل يعقل أن لا يكون الله شهيدا؟! كلا .. فالله محيط علما