من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٥ - وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
يتقلب في كف السنن الربانية مذ كان ترابا إلى أن خلقه الله من نطفة ثم متقادما من خلق إلى خلق حتى أضحى بشرا سويا، ثم ينكسه الله في الخلق بعدئذ حتى يبلغ أرذل العمر، فهل يجوز لمثل هذا الإنسان أن يستكبر أو يتكبر؟! هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ عندما خلقنا الله جميعا في صورة ذرٍّ من تراب الأرض مع أبينا الأكبر آدم أبي البشر. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أمشاج بين الذكر والأنثى. ولو قدر لنا أن نرى النطفة هذه لاحتقرناها، واستصغرنا قدرها، ولكنها- بالتالي- طور من أطوار خلقنا. ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ حينما تجتمع الخلايا إلى بعضها وتتنامى حتى تبدو في صورة قطعة دم عالقة بالرحم. ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ناشئا بحاجة إلى حنين الأم وحماية الأب، والمحافظة من عشرات الأخطار التي تحيط به لضعف بنيته وصغر حجمه. ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ والله وحده يعلم كم هي السنن التي تساهم في بلوغ ذلك الوليد الصغير مرحلة الشباب والفتوة! ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً و تمر بكم ألوف الأخطار التي ينقذكم الله منها حتى يضحى الإنسان شيخا، ولكن البعض يختطفهم ملك الموت قبلئذ ليكونوا عبرة لمن يعي. وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى فلا يموت الشخص حتى يستوفي أجله في الدنيا. وكم من مريض دفن أو معارض للسلطات القوية أو محارب في ميادين القتال، يتطاول به العمر متجاوزا مئات العقبات، بينما يموت الشاب الصحيح الذي يحيط نفسه بكل الموانع، ليكونا معا دليلا على أن الأجل نعم الحارس. وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ و تعلمون أن مراد ربكم من تطورات الحياة أن تتعرفوا عليه، وأن تسلموا له، وألا تشركوا به شيئا.