من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٣ - وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
قشرة الأرض، وهو يكوِّن (٨. ٠) من جميع المياه في العالم. والأوكسجين هو نسبة الحياة لكلِّ الحيوانات التي فوق الأرض، وهو لا يمكن الحصول عليه لهذا الغرض إلا من الهواء.
ولو كان الأوكسجين بنسبة (٥٠%) مثلًا أو أكثر من الهواء بدلًا من (٢١%)؛ فإنَّ جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال، لدرجة أنَّ أوَّل شرارةٍ من البرق تصيب شجرةً لا بدَّ أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر. ولو أنَّ نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى (١٠%) أو أقل؛ فإن الحياة ربما طابقت نفسها في خلال الدهور ..) [١]. هذه الأرض التي كيَّفها الله حسب حاجات الإنسان، أو إن شئت قلت خلق الإنسان بحيث يعيش عليها بتناسق دقيق، إنها قرار الإنسان. أما البناء الذي يرتفع فوقه فهو السماء التي جعلها الله سقفا محفوظا ونحن عن آياتها معرضون، فلا علم لنا حتى اليوم بجميع أسرارها، بَلْهَ المساهمة في صنعها إنما هو فضل من الله ومنة.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ثم خلق الإنسان في أحسن صورة وأفضل خلق، فما من شيء مخلوق من جماد أو نبات أو حيوان إلا وفضل الله الإنسان عليه تفضيلا في قوة بدنه وصلابة أعضائه وقدرة احتماله للصعاب، وزوده بالعقل، والعلم وسائر الطاقات التي يسخر بها الطبيعة. لقد زود الإنسان بالحياء ليكون وسيلة تعايشه مع نظرائه والتصاقه بقيمه. أوليس يقري الضعيف بالحياء، ويفي بالوعود بالحياء، ويقضي الحوائج، ويتحرى الفضائل، وينشد الكمال، ويتنكب الرذائل والقبائح بفضيلة الحياء التي خص بها دون سائر الخليقة؟ [٢]. وزود بالنطق ليكون وسيلة التفاهم، ونقل التجارب، وتواصل المعارف، وتنامي العلوم المختلفة. فإنه لو لم يكن له لسان مهيئٌ للكلام، وذهن يهتدي به للأمور، لم يكن ليتكلم أبدا، ولو لم يكن له كف مهيأة، وأصابع للكتابة، لم يكن يكتب أبدا، وعُدَّ بذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة [٣]. وزود بالعلم عبر العقل والوحي، وسخرت به الطبيعة له حتى أصبح سيدا مطاعا بين موجودات الأرض، هذا إلى جانب جمال الصورة، وحسن الوجه، وتناغم الأعضاء. وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
إن نظرة إلى الإنسان وإمكاناته وطبائعه وحاجاته، ثم إلى السماء والأرض وآياتهما وعطائهما، والأنظمة الجارية فيهما، تهدينا إلى وحدة الخالق. وأنه هو ربنا، وهو رب العالمين، للتطابق الدقيق والتناغم التام بين تصميم الكائنات وتصوير الإنسان الذي خلقت له. ولا
[١] العلم يدعو للإيمان: كريسى موريسون، ص ٤٣. دار وحي القلم، الطعبة الأولى: ١٤٢٨ ه.
[٢] اكتسبنا الأفكار من كلمات الإمام الصادق عليه السلام في:) توحيد المفضل)، وبحار الأنوار: ج ٣ ص ٨١.
[٣] راجع: بحار الأنوار: ج ٣، ص ٨٢.