من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٢ - وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
العظيم، وكل شيء ينطق بأفصح لغة بأن الله خالقه ومدبر أمره، فهل خلقت الأشياء بذاتها أم وجدت صدفة وبلا علة ولا حكمة ولا تدبير؟! أي عقل يتقبل ذلك أم أي وجدان؟! ثم أين ينحرف البشر عن خالق كل شيء؟! أإله من دونه يتجهون إليه، أم يتيممون صوب الضلال البعيد؟! ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أو يستقيم أن نقول: إن الله خالق كل شيء، ولكن من يهيمن على الأشياء هو غيره؟!
فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ والإفك هو الانحراف، وإنما سميت الرياح الهوج بالمؤتفكات لانحرافها، وإنما جاءتها الكلمة بصيغة المجهول للدلالة على أن العوامل الخفية التي تصرف البشر عن صراط الله تجري بخلاف مصالحه حتى لكأنها تجبره على ذلك جبرا. وإنه لو اعتصم الإنسان بالله لما قدرت تلك العوامل على إضلاله عن سبيل ربه ورب الكائنات.
[٦٣] وإنما تهيمن عوامل الإفك على البشر، لأنه لم يسلم لآيات الله بالرغم من وحي الفطرة ودلالة العقل. كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ فليس من سبيل هدى إلا في آيات الله، فإذا جحدها الإنسان فإنه ينحرف بفعل العوامل المضلة. ولا ريب أن من آيات الله كتاب الله ورسوله، فمن لم يسلم لهما لم يعتصم بحبل الله، ومن لم يعتصم بالله تقاذفته أمواج الفتن يمنة ويسارا، وحرفته عوامل الضلالة إلى التيه البعيد. إن سبيل الله واحد، وهو الكتاب والإمام، فمن جحدهما ألزمه الله التيه إلى يوم القيامة. وإن سبيل الله شرعة العقل المنور بالوحي، فمن اتبع أهواءه، وظن أن لله طرقا بعدد أنفاس الخلائق، فقد افترى على الله بهتانا عظيما. أرأيت معالم الطريق وإشارات المرور لو لم تأبه بها في سيرك، أين ينتهي بك المطاف؟ كذلك الذي لا يهتدي بمعالم الحق التي وضعها الله لعباده، ولم يتبع رسالاته ورسله وأولياءه الذين يدعون إلى رسالاته ويجسدون هدى رسله.
وكلمة أخيرة: تبيَّن لنا خواتيم الآيات في هذا السياق درجات المعرفة وهي العلم والتذكر والإيمان والتسليم والشكر، كما تبين ما يخالفها من الإفك والجحود، وهي في الوقت ذاته الذي تعالج حالة الكبر، تبيَّن الموقف السليم من آيات الله، وهو موقف الانفتاح والتسليم، وتحذر بشدة من الجحود بها الذي ينتهي إلى الانحراف، وهذا التحذير نجده بصفة مكررة في هذه السورة.
[٦٤] لا ينبغي لمن يتقلب في نعم الله أن يتكبر على ربه أو يجحد بآياته، فالله هو الذي جعل الأرض للإنسان قرارا، فلو كانت جاذبية الأرض أقل أو أكثر إذا صعبت الحركة فيها أو استحالت، (والأوكسجين الذي يوجد في الهواء هو جزءٌ من هذا الضغط، وهو بمعدل نحو ثلاثة أرطال على البوصة المربَّعة. وكلُّ الباقي من الأوكسجين محبوسٌ في شكل مركباتٍ في