من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١ - إلا عباد الله المخلصين
مخلصا من هذه صفته، لأن تأثره بدوافع الغيبة يشير إلى أن شخصيته لم تزل مزيجا من الإيمان والكفر، فبينما ينطلق صومه من قاعدة الإيمان في نفسه، تنطلق الغيبة من دوافع الكفر.
وإنما يدخل الله الجنة الذين اخلصوا إيمانهم وعملهم بالمعنى المتقدم بغير حساب، ومن سواهم يدخلهم بعد الحساب والتطهير، وعلى هذا جاء في الأخبار: أن من المؤمنين من يلبث في النار مئات، وبعضهم عشرات السنين، كل بنسبة انحرافه، ورواسب الكفر التي يجب أن تطهر قبل الدخول في الجنة. وفي الرواية قيل للإمام موسى بن جعفر عليه السلام: (مَرَرْنَا بِرَجُلٍ فِي السُّوقِ وَهُوَ يُنَادِي أَنَا مِنْ شِيعَةِ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الخُلَّصِ وَهُوَ يُنَادِي عَلَى ثِيَابٍ يَبِيعُهَا مَنْ يَزِيدُ فَقَالَ مُوسَى عليه السلام
مَا جَهِلَ وَلَا ضَاعَ امْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ. أَتَدْرُونَ مَا مَثَلُ هَذَا شَخْصٌ؟.
قَالَ
أَنَا مِثْلُ سَلْمَانَ وَأَبِي ذَرٍّ وَالمِقْدَادِ وَعَمَّارٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُبَاخِسُ فِي بَيْعِهِ وَيُدَلِّسُ عُيُوبَ المَبِيعِ عَلَى مُشْتَرِيهِ وَيَشْتَرِي الشَّيْءَ بِثَمَنٍ فَيُزَايِدُ الغَرِيبَ يَطْلُبُهُ فَيُوجِبُ لَهُ ثُمَّ إِذَا غَابَ المُشْتَرِي قَالَ: لَا أُرِيدُهُ إِلَّا بِكَذَا بِدُونِ مَا كَانَ طَلَبَهُ مِنْهُ.
أَيَكُونُ هَذَا كَسَلْمَانَ وَأَبِي ذَرٍّ وَالمِقْدَادِ وَعَمَّارٍ حَاشَ لله أَنْ يَكُونَ هَذَا كَهُمْ وَلَكِنْ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي مِنْ مُحِبِّي مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمَنْ يُوَالِي أَوْلِيَاءَهُمْ وَيُعَادِي أَعْدَاءَهُم)
[١] إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.
[٤١] والقرآن يحدثنا عن جانب من الرزق، الذي يصير إليه المخلصون لا حصرا إنما إشارة، وإلا ففي الجنة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر. أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ والمعلوم هو الشيء المعروف المحدد بالمعرفة، ويبدو أن رزق المخلصين يكون معلوما بالجنة فلا ينقطع حينا ويتصل حينا، ويكون معلوما لأنه جزاء أفعالهم وهي معلومة عند ربهم، وقالوا إن معنى ذلك أن رزق المخلصين يأتيهم كاملا كما يريدون ويتصورون بعلمهم، وهذه الإرادة والميول تنتقل بإرادة الله إلى أذهان الخدم، فيأتونهم بما يريدون قبل أن يطلبوه، قال رسول الله صلى الله عليه واله في: (أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ
يَعْلَمُهُ الخُدَّامُ فَيَأْتُونَ بِهِ أَوْلِيَاءَ اللهِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلُوهُمْ إِيَّاهُ) [٢].
[٤٢] ويفصِّل القرآن في ذكر الرزق، تشويقا لنا للإخلاص، وللمخلصين على الاستقامة. فَوَاكِهُ يشبعون بها حاجاتهم الكمالية، أما حاجاتهم الضرورية فقد قال البعض أن أجسامهم خلقت للبقاء فلا تحتاج إلى طعام حاجة ضرورية، ويحتمل أن يكون توفر الفواكه لديهم يغنيهم عن الطعام الضروري، أو ليس أكل الجنة دائما وظلها؟
[١] بحار الأنوار: ج ٦٥ ص ١٥٧.
[٢] الكافي: ج ٨ ص ٩٩.