من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٨ - فسجد الملائكة كلهم أجمعون
عن أئمة الهدى عليهم السلام أن كل العباد يمرون فوق الصراط الذي ينصبه الله على النار، ولا يجوزه إلا المخلصون، أما من تمحض في الكفر والشرك فإنه يخلد فيها أبدا ويبقى الذين عندهم بعض المعاصي والذنوب فيها فترة يُطَهَّرون منها بالعذاب وكل يلبث فيها بقدر انحرافه. ولو بحثنا في الأسباب التي تؤدي بالإنسان إلى جهنم لوجدناها كثيرة جدا، وعلينا باليقظة الشديدة حتى نتقيها، ونتقي بذلك نار جهنم.
[٨٦] والملاحظ في هذه السورة المباركة وبالذات عند الحديث عن قصة إبليس، وهكذا في كثير من موارد القرآن تكرار الابتداء بفعل الأمر قُلْ ولعل ذلك للأسباب التالية
الأول: لكي يتأكد لنا بأن القرآن ليس من عند الرسول صلى الله عليه واله، وإنما هو واسطة بين الله وعباده، ودوره بالنسبة إلى الآيات ينحصر في قراءتها على الناس، فهو ليس بمفتر ولا بإله، إنما هو مبلغ لرسالات ربه.
الثاني: يتركز هذا الأسلوب عند الحديث عن الأشياء الغيبية كقصة السجود لآدم عليه السلامالتي وردت في هذه السورة، وذلك لكي لا يعتقد الناس بأنها ضرب من الوهم والخرافة، أو أنها مجرد تصورات إنسان مثلهم محدود العلم فلا يصدقوها.
ولهذا أيضا قدم قول الرسول صلى الله عليه واله بأمر من الله، حيث أراد الحديث عما جرى في الملأ الأعلى مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإٍ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ثم أكد أن ما سوف أقوله لكم عن الغيب هو من عند الله إِنْ يُوحَى إِلَيَ ثم بدأ الحديث عن الغيب، وضمنه في مطلع كل آية- تقريبا- ما يدل على نزوله من الله وهو فعل قُلْ.
الثالث: أن الأمر بالإعلان عن شيء بصيغة قُلْ أكد من بيانه للعلم. أفلا ترى أن قوله سبحانه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أشد تأكيدا من قول قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ذلك لأن من يعلم شيئا قد لا يكلف نفسه أمر الانصياع له أو إبلاغه للآخرين، بخلاف ما لو قيل له قُلْ فإنه يعني الالتزام بما يقوله، بالإضافة إلى بيانه وتحدي الآخرين به.
وهكذا نجد القرآن هنا يأمر الرسول بالإعلان عن تجرد دعوته من المطامع المادية، وأنه لا يطالبهم بأجر. قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وإنما يدعوهم إلى الحق، وهذا الإعلان يعكس شخصيّة الرسول صلى الله عليه واله التي تشهد بصدقه، كما أنه يعتبر التزاما أدبيا أمام الناس بعدم المطالبة بأجر، ثم أمره ببيان أبرز صفاته الحسنى وقال وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ ولماذا يتكلف صاحب الحق وهو يحمل للناس رسالة تتفق مع فطرتهم، وتؤيدها عقولهم وجميع سنن الحياة وقوانينها لأنها رسالة رب العالمين، بلى؛ إن الذي يحتاج إلى التكلف هو صاحب الباطل، لأن ما يأتي به