من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٤ - ألا إن الظالمين في عذاب مقيم
الشديد، أو الاهتمام بقضية معينة، أو عند الشهوة، إذ ينعدم حينها شعوره الداخلي، فهو بحاجة إلى إرادة قوية يتغلب بها على تلك الحالات، والإرادة من الله وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٣٠]. كما أن قوة الإرادة وضعفها بيد الله، ولولا تأييده لخارت أمام الضغوط، وإذا لم يهتد أبدا.
وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ يستطيع هدايته أو إنقاذه من مصيره الأليم. فإذا كان يستحق النجاة فإن الله أحق بنجاته، لأنه خالقه وبارئه وأرحم به من كل شخص، فمن لا يرحمه أرحم الراحمين، ومن لا يسعه حلم الله الواسع وكرمه العظيم، ترى هل من رحمة تسعه أو حلم أو كرم؟!.
ونقرأ في سورة الرعد لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد: ١٤]. والذي يتبع السبل الأخرى غير سبيل الله المتمثل في رسالاته وأوليائه، فإنه يكتشف خطأه وضلاله البعيد يوم القيامة، أو حتى في الدنيا عند الجزاء.
وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وقد انتهت الفرصة التي أعطيت لهم ليجربوا بها إرادتهم. يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ إنهم وقد انتهى بهم الظلم إلى نار جهنم يتمنون الكرَّة ليختاروا هدى الله على ضلالات الشيطان، ولكن هيهات، هل تعود عقارب الزمن إلى الوراء، هل الشباب يرد إلى العجوز المتهاوية، أم تعود نضارة الطفولة إلى من عركته السنين، وبلغ من العمر عتيا؟! حقا تثير هذه الحقيقة النفس من أعماقها، فأي خسارة كبرى تلحق بالظالمين، بل أي ثمن يستحق في مقابل هذه الخسارة التي لا تعوض؟!.
[٤٥] وتتواصل الآيات في بيان عاقبة الظالمين الذين لو تسنى لهم لماتوا ملايين المرات حسرة على التفريط في جنب الله، وهم يتعذبون نفسيا وجسديا، نفسيا لأنهم يشعرون بالذلة والمهانة بعد العلو والتكبر في الدنيا، وجسديًّا لأنهم سيصيرون حطبا لجهنم. وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِ إن أهم العقبات النفسية التي تعترض طريق الإنسان إلى الهداية هو التكبر، الذي أخرج إبليس من الجنة، ولازال يخرج به إبليس أبناء آدم من رحمة الله إلى غضبه وعذابه، وعلى الإنسان أن يقاوم جموح النفس المتكبرة، بتصور تلك اللحظة التي يعرض فيها المتكبرون على النار، خاشعة نفوسهم من الذل.
وهذا الخشوع السلبي لا يتجاوزه الإنسان إلا بخشوع الإيمان الإيجابي، ولذلك جاء في