من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٨ - يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
كما هو حال سائر الخلق في كونهم من أمره تعالى، والذي تشير إليه الآية الكريمة إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، وهذا يعني أن الأنبياء والرسل ليسوا آلهة بما اختصوا به من الوحي إنما هم عباد له تعالى، وما عندهم من الوحي والمنزلة الرفيعة لم يبلغوه بسعيهم المجرد وإنما بمشيئة الله و حكمته.
وتنفي هذه الفكرة فكرة التكامل الطبيعي عند الإنسان، التي يدَّعي أصحابها بأن الإنسان يتكامل بطبعه حتى يعرج إلى السماء أو إلى مقام الرسالة والألوهية. بلى، الإنسان يستطيع أن يهيئ في نفسه أرضية للعروج، ولكن الله هو الذي يكمله، وإذا رفعه إلى مقام الأنبياء فليس معنى ذلك أنه أصبح إلها، أو أنه رفعت عنه المسؤولية. كلا، والدليل أن نزول الروح على أي إنسان يحمِّله مسؤولية التبليغ لهداية الناس.
لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي و تلخص هذه الآية كثيرا من العقائد الإسلامية والنظرات الحياتية في القرآن بمفرداتها الأربع
- رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ.
- ذُو الْعَرْشِ.
- يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ.
يَوْمَ التَّلاقِي، ويوم التلاق هو يوم يلتقي الإنسان خصومه، وهو من الأيام الحساسة والمشهودة في حياته، فيلتقي المستكبر بالمستضعف، والظالم بالمظلوم، والغاصب بالمغصوب منه، والكاذب بمن افترى عليه، وكل عامل يلتقي يومئذ عمله، ويلتقي المجرمون الشهود، والناس جميعا يلتقون بالحساب عند ربهم، وهكذا يكون يوما عظيما لا بد أن يرهب مقامه، وينذر به المنذرون.
[١٦] ويضيف القرآن مبيِّنا واقع ذلك اليوم العظيم والحاسم يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ في الدنيا يحاول الإنسان جاهدا إخفاء سلبياته وتجاوزاته لحقوق الآخرين، وحتى إنه يحاول خداع ذاته، و إخفاء جرائمه عن ضميره بالتبريرات والأعذار، وقد يستطيع الهرب من يد العدالة، ولكن هل يتمكن من مثل ذلك في الآخرة؟
كلا، لأن اعتقادات الإنسان وأقواله و أعماله كلها تظهر بارزة يومئذ ولا تخفى منها خافية أبدا كما يقول تعالى يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: ١٨]، كبيرة كانت أو صغيرة، وكيف يكون ذلك وقد أوكل الله بكل واحد ملائكة يكتبون له وعليه كل ما يصدر