من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٣ - سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
[٥٠] ومن تسولات النفس في الهروب من المسؤولية والإعراض عن آيات الله هو الغرور بالنعم، مما يعالجه القرآن هنا .. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى من عادة مؤلفي الروايات تصوير أبطالهم في حالات نفسية متناقضة، فيصورون مثلا: أحد المجرمين في لحظة جريمته، يعيش قمة الغرور، فيقع فجأة في الفخ، أو يصورون: أحد المغرورين يتصور أنه يمتلك الشمس بيمينه والقمر بيساره، وإذا به يبصر، يرى شرطيا أمامه فيصبح كالخرقة البالية. وهذا التصوير يساعد في كشف خبايا النفس، وأبعاد الخداع الذاتي الذي يعيشه الإنسان، وإنما يكتشف عبر الظروف المتغيرة التي يعيشها.
والقرآن- هنا- يصور لنا الحالة النفسية الأولى التي يعيشها المفتون، حيث يتذوق رحمة الرب و نعمته بعد أن عاش ظرفا صعبا، وضيقا وشدة، وتعبيرا عن فرحته يبادر قائلا: (هذا لي) كالطفل الذي يشتري له والده لعبة جديدة، فيذهب مسرعا إلى أترابه قائلا: عندي لعبة جديدة، هذه لي ..، مأخوذا بنشوة الغرور، وهذا ما تفعله جِدة النعم بصاحبها، فهي هاوية يجب الحذر من السقوط فيها، تسبب في تغير حالة الإنسان النفسية، ولهذا كان الإمام الصادق عليه السلامينِّبه داود الرقي قائلا
[يَا دَاوُدُ تُدْخِلُ يَدَكَ فِي فَمِ التِّنِّينِ إِلَى المِرْفَقِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ طَلَبِ الحَوَائِجِ إِلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ] [١].
ثم إن ذلك المغرور المفتون لا يقتصر على الزهو والفخر الذي يغمره، بل يتصور الحياة متلخصة في تلك اللحظة التي يعيشها، وفي ذلك المكان الذي يتنعم فيه، ثم بعد ذلك يخطر على باله أن لو كانت هناك ساعة وجزاؤه كان له عند ربه الحسنى، أوليس الله قد أنعم عليه في الدنيا، فهو لا بد أن ينعم عليه في الآخرة! وهكذا يزعم السلاطين والمترفون والمفسدون، إنهم يتصورون أن الله إنما فتح عليهم أبواب النعم الدنيا لحبه إياهم، أو لأنهم عباده الذين اختارهم- وهذه هي العنصرية-، في حين أن الله إنما أعطاهم تلك النعم ليمتحنهم، ويبلوهم أيهم أحسن عملا، أو حتى يستدرجهم، كما قال سبحانه وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: ١٧٨]. فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وأما ربنا سبحانه فلا يحاسب الناس على أساس فقرهم وغناهم، وكبرهم وصغرهم، وإنما على أساس كفرهم أو إيمانهم، كفرانهم أو شكرهم، وبالتالي أعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وسوف يكون العذاب غليظا بقدر التأثيرات السلبية للنعمة في نفسه وآثار تلك السيئة على سلوكه.
[١] تهذيب الأحكام: ج ٦، ص ٣٢٩.