من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٧ - ولا يرضى لعباده الكفر
إنهم يرون الله.
* وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ أي يعود إلى الله ويترك الشركاء من دونه، والدعاء والإنابة حالة الضراعة، فهو من جهة يدعو الله كي يخلصه من الضراء ومن جهة أخرى يتوب إليه عما اقترفت يداه. وفي ذلك شهادة فطرية على أن الأنداد الذين اتخذهم شفعاء لا يقدرون لا على كشف الضر عنه ولا على التوسط بينه وبين الله، وإنما الله أقرب إليه من كل تلك الآلهة المزيفة، وإن أمره بالرجوع إلى الرسول أو خليفته الشرعي هو المقياس.
ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ خوَّله: ملَّكه وجعله متعهدا للنعمة، وفلان مخوَّل: أي له حق التصرف، إذا أعطاه الله النعمة، وبدل الضراء نعماء نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ يبدو أن المصاب بضر ولا أمل له بالنجاة فينجيه الله من ضره يكون أسرع في العودة إلى الذنب من الذي يبلغ النجاة عبر الوسائل المادية. وفي التعبير إِشارة إلى أنه ينسى كل شيء عن حالته السابقة، ونستوحي ذلك من كلمة مَا في الآية.
وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً فقال لولا صديقي، لولا الطبيب، لولا الصدفة الحسنة، لولا حظي، لولا ذكائي، لكنت قد هلكت، و ينسى أن من أنقذه إنما كان الذي يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وهو رب العزة. ولعل معنى الجعل هنا اعتبار ذلك للأنداد من خلال إضفاء صبغة القوة الذاتية عليهم، وبتعبير آخر جعل الشرعية لهم مما لا يقتصر أثره فقط على نفسه، بل يتجاوزه إلى الآخرين فيسبب ضلالتهم أيضا. ويشهد على ذلك التعقيب التالي لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ إذ إنه لم يبيِّن للناس أن الله أنقذه حتى يهتدوا إليه بل أخبرهم كذبا أن غيره هو الذي أنجاه فأضلَّهم عن سبيل الله وهو إخلاص الدين له.
هذا من جهة ومن جهة أخرى قلب الإنسان يرفض الفراغ، فلا بد أن يتعلق بشيء، فإذا نسي ربه اخترع لنفسه إلها مزيفا من الشركاء، يستعيض به عن ربه. والدافع النفسي وراء الكفر بنعمة الخلاص من الهلكة هو التخلص من مسؤولية شكر الله، فالذي يقع في الهلكة يحس بتقصيره في جنب الله ويعقد العزم على تلافيه، ويعاهد الله على ذلك إن نجاه من الهلاك، و لكنه الآن وقد ذهبت عنه عاصفة البلاء وزعم أنه استغنى عن ربه عادت إليه عواصف الشهوات تحثه نحو الموبقات وترك الفرائض والخوض في الإباحية، لذلك نسي ربه وكفر بنعمته عليه، ونسب النعمة إلى الآلهة المزيفة، فيقول له الرب قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا فإنك لن تحصل إلا على متاع قليل وفي فترة قليلة تنتهي إما بالمشاكل التي تتجدد عليك أو بالموت. إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وهل هي متعة تلك التي تنتهي بصاحبها إلى النار؟ والتعبير ب أَصْحَابِ النَّارِ باعتبار أن الإنسان يحب صاحبه ولا يتركه، فهو والنار قرينان لا يفترقان.