من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٩ - ولا يرضى لعباده الكفر
العبودية الخالصة للَّه
قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ إن الآيات تبيَّن طريقة تحقيق العبودية الحقة في أمرين
الأول: التقوى تجنب المهلكات، وعاقبتها الفلاح، والفوز بالجنة، وأما الإحسان فعاقبته السعادة في الدنيا أيضا، ومعناه أن تكون صبغة حياة الفرد العطاء للآخرين، وقد بلغ الأنبياء عليهم السلام ما بلغوه من شرف الرسالة بالإحسان. أما الهجرة عند الضرورة فهدفها المحافظة على الاستقلال والحرية، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فهو لباب التوحيد وجوهر الإخلاص، ودرع الاستقلال، وأجره عند الله لا يبلغه العادون فهو بلا حساب. هكذا روى الإمام الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه واله
(إِذَا نُشِرَتِ الدَّوَاوِينُ وَنُصِبَتِ المَوَازِينُ لَمْ يُنْصَبْ لِأَهْلِ البَلَاءِ مِيزَانٌ وَلَمْ يُنْشَرْ لَهُمْ دِيوَانٌ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَة
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [١].
[١١] بالرغم من أن الهجرة قائمة إلى يومنا هذا إذا تعرضنا لضغوط، وافتتنا في ديننا، إلا أنه يلزم في بعض الأحيان التحدي. وهكذا يأمر الله نبيه بأن يعلن للناس جميعا إخلاصه لربه، ورفضه للأنداد، مما يعني التمرد على سلطات الجبارين وإمرة المترفين وقيادة الجهلاء. قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ.
الثاني: الإخلاص لله والتمرد على الآلهة المزيفة. وهذا أمر الله، فلا قداسة ولا شرعية ولا حرمة لهذه السلطات الفاسدة لأن الله لم يأمر بها، بل أمر برفضها حيث قال لرسوله مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ مسلما له وحده، خاضعا لمناهجه وشرائعه فقط، ومادام ذلك أمر الله فإن المؤمن بالله يتحمل كل أذى في سبيل تطبيق هذا الأمر الإلهي، والله يعينه عليه، ولا يقدر على تجاوزه دون التعرض لغضب الله و عذابه.
[١٢] ومادام الأمر من الله فلا يستمد شرعيته من الناس فسواء آمن الآخرون أم كفروا، وافقوني على تمردي ضد الأنداد أم خالفوني فإني أواصل دربي. وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ أسبقهم إلى التسليم لله، دون النظر إلى الآخرين، كما قال السحرة بعد أن آمنوا قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٥٠- ٥١]. بالرغم من أنهم لم يكونوا فعلا أول المؤمنين، فقد آمن لموسى ذرية من قومه على خوف من فرعون وملته، ولكنهم فتحوا الطريق لغيرهم كي يؤمنوا.
[١] بحار الأنوار: ج ٦٧ ص ١٠١.