من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٩ - وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا
الساعة، منتظرة لأمر الله لطويها كطي السجل للكتب، ولا تزال زجرات ملائكة الله تلاحق الأجرام السابحة فيها ألا تحيد عن أمر ربها قيد شعرة.
أعرفتم ماذا يعني وحي الله، وما هي عظمة رسالات الله، وأي مقام كريم ينبغي أن نجعلها فيه؟.
سبحانك اللهم افتق عقولنا بنورك حتى نعرف قدر وحيك، ولا نخسر الدنيا والآخرة بالإعراض عنه أو الاستهانة بأحكامه .. وقال المفسرون: إن تفطرُّ السماوات بسبب هبوط الوحي عبرها، كما قال ربنا لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: ٢١]. وقال بعضهم: بل بسبب صعود أنباء شرك الناس من خلالها، كما قال ربنا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً [مريم: ٩٠- ٩١]. ويبدو لي أن الأهم من كل ذلك عظمة الله وخشية عقابه، فهي التي تكاد السماوات يتفطرن منها، وتسبح بحمده وتعبده، وإن كنا لا نرى ذلك أو نسمعه.
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم القوى العاقلة التي تشرف على جميع الأجرام السماوية والأنظمة والسنن الكونية تراهم يخشعون أمام جبروت الله وعزته، ويقدسونه وينزهونه عما لا يليق به، ويتم التسبيح بما أعطاهم الله من نعمة الهداية ومن التوفيق للتسبيح، ولعل هذا أحد معاني (بحمده) فإن معرفة الله لا تكون إلا بذاته، وكمال معرفته تنزيهه عن الشريك والشبيه، وهو معنى التسبيح الذي لا يبلغه العبد إلا بحمد الله، أي بما يوجب الحمد من نعم الرب، وتوفيقه، ويعطي هذا التركيب بِحَمْدِ معنى المقارنة أيضا، لأن ربنا تعالى هو كما جاء في الدعاء
[يَا مَنْ هُوَ فِي شَرَفِهِ عَزْيزٌ، يَا مَنْ هُوَ فِي عِزِّه عَظِيمٌ، يَا مَنْ هُوَ فِي عَظَمَتِهِ مَجِيدٌ، يَا مَنْ هُوَ فِي مَجدِهِ حَمِيدٌ] [١].
فهو في عين علو مقامه وقدسه ومجده وغناه حميد له الحمد كله والمحامد جميعا، لأنه تعالى شأنه لم يترك الخلق وشأنهم بل تعهدهم بفواضل نعمائه وسوابغ آلائه، فكان له الحمد كما كان له المجد. يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ هذه علاقتهم بالله، أما علاقتهم بمن في الأرض فهي الاستغفار لهم عند الرب حيث ترى الملائكة أن سكان الأرض لا يقدرون الله حق قدره بما يعصون ويذنبون. وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ إيمانا منهم بسعة رحمة الله. أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ولو لم يكن كذلك لما ترك على وجه الأرض من دابة بما عصوا الله، ولعل الآية تبيِّن حقيقة مهمة هي أن الله هو الذي يغفر ويرحم من يشاء ومتى أراد، وخطأ الاعتقاد بألوهية الملائكة أو أنها أنصاف آلهة، بينما لا يعدو دورها الاستغفار للمؤمنين عند ربهم الذي
[١] البلد الأمين: ص ٤٠٥، من دعاء الجوشن الكبير.