من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٧ - وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم
وتحتمل الآية تفسيرا آخر هو عدم اهتمام أولئك القوم بشهادة الله عليهم، فمن لا يأبه بشيء كان كمن لا يؤمن به.
[٢٣] ولكن تلك الظنون أمطرت عليهم الويلات، ودفعت بهم إلى أسفل الهاوية. وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ شخصية الإنسان تصاغ حسب ظنه بربه، فمن أحسن به ظنا حسنت سريرته، وطاب سلوكه، وصلح عمله، ومن أساء بربه الظن ساءت سريرته، وخبث سلوكه، وفسد عمله .. وهكذا ينبغي أن يحسن العبد ظنه بربه ما استطاع، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله
[إِنَّ آخِرَ عَبْدٍ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ فَيَلْتَفِتُ فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ أَعْجِلُوهُ فَإِذَا أُتِيَ بِهِ قَالَ لَهُ عَبْدِي لِمَ التَفَتَّ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا كَانَ ظَنِّي بِكَ هَذَا فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَبْدِي مَا كَانَ ظَنُّكَ بِي فَيَقُولُ يَا رَبِّ كَانَ ظَنِّي بِكَ أَنْ تَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي وتُدْخِلَنِي جَنَّتَكَ قَالَ فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ مَلَائِكَتِي وعِزَّتِي وجَلَالِي وآلَائِي وارْتِفَاعِ مَكَانِي مَا ظَنَّ بِي هَذَا سَاعَةً مِنْ حَيَاتِهِ خَيْراً قَطُّ ولَوْ ظَنَّ بِي سَاعَةً مِنْ حَيَاتِهِ خَيْراً مَا رَوَّعْتُهُ بِالنَّارِ أَجِيزُوا لَهُ كَذِبَهُ وأَدْخِلُوهُ الجَنَّةَ] [١].
[٢٤] فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُم إن صبرهم في الآخرة يختلف عن صبرهم في الدنيا، فصبرهم في الدنيا على الطاعات وعن المعاصي يعقبه الفرج والجزاء الحسن، ولكن حتى وإن صبروا في الآخرة فإن النار هي مثواهم للأبد. وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ وإن يتوبوا إلى الله لا تقبل توبتهم، بعكس الدنيا حيث توفرت لهم فرصة التوبة.
[٢٥] عوامل الانحراف عديدة، وتختلف من إنسان لآخر، وفي حياة الشخص الواحد تختلف من مرحلة لأخرى، ففي مرحلة الطفولة يستهوي الإنسان عامل واحد هو اللعب، أما في مرحلة الشباب فإن أصدقاء السوء من أشد عوامل الانحراف تأثيرا على النفس، بينما في مرحلة الرجولة يتدرج البشر عبر عوامل المال والبنين والتفاخر.
وهنا يشير القرآن إلى أصدقاء السوء الذين يحيطون بمن ابتعد عن هدى ربه فيزينون له سوء عمله، حتى لا يكاد يجد سبيلا للهداية. إن الضلالة- كما الهداية- تبدأ من اختيار الإنسان نفسه، ولكنها تخرج تقريبا عن حدود سيطرة الإنسان بعد ذلك، إذ تتكاثف حوله عوامل الانحراف وأغلال الضلال حتى يكاد يصبح عاجزا عن الانفلات منها، فترى قلبه يقسو مع استمرار ارتكاب الفواحش، ومحيطه الاجتماعي يخلو من الصالحين الذين كانوا ينصحونه، ويتمحض في قرناء السوء، ويكون مثله مثل دودة القز يختنق في شرنقته التي صنعها لنفسه!
[١] وسائل الشيعة: ج ١٥، ص ٢٣١.