من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٦ - وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم
بالبشر، ومطلع على خفياته التي ليس لأحد سبيل إلى معرفتها سواه سبحانه.
إن الله سميع بصير، عليم خبير .. ولو شعرنا بذلك، وأنه يحصي أنفاسنا، ويعلم خطرات قلوبنا، وأن كل كبير و صغير مستطر، لما ارتكبنا السيئات .. وإنما يفلت من شَرَكِ الخطايا ذلك المخلص المتحسس رقابة الله عليه، وعلم يقينا أنه عز وجل أقرب إليه من حبل الوريد، فيحوطه الله بالتوفيق. فالسبيل أن نتذكر شهادة الله حتى نفوز برقابة ذاتية على أنفسنا فلا ننحرف. وأما الكافرون فهم بعيدون عن هذه الحقيقة، فهم يظنون بربهم ظن السوء، فمثلا قد يظنون أن الله يعلم فقط ظاهرا من أقوالهم وأعمالهم فيزعمون أنهم قادرون على تبرير سيئات أفعالهم وفاحش أقوالهم أمام ربهم، بأن يقول الواحد منهم: إنني كنت مجبورا، أو مضطرا إلى السيئة، أو عملتها من دون وعيي وإرادتي. كذلك يبرر المجرمون قبل ارتكاب الموبقات سيئاتهم لأنفسهم، ويختلقون الأعذار التي يزعمون أنها تغنيهم عن العقاب أو الجزاء، ولو عرفوا أن الناقد بصير، وأنه لا تخفى عليه خافية، لارتدعوا.
ومادام الإنسان يعلم أن تبرير عمله للناس ليس بحق لأن الله يعلم به، فهو يرجى صلاحه، لأن في قلبه لا تزال مسافة بين الحق والباطل، وأما إذا وصل إلى مستوى يختلط في قلبه الحق والباطل، وأن التبرير الذي يختلقه للناس يستطيع أن يخدع به ربه، فقد هوى ولا أمل في نجاته. ومثل هذا الصنف كثير، وإنهم ليأتون يوم القيامة ربهم، فيوقفهم للحساب، فيشرعون في طرح أعذارهم التي تشبثوا بها في الدنيا، بعضهم يقول: كنت مكرها، ويقول الآخر: كنت مستضعفا، و يقول ثالث: لم أرد إلا الخير، وهكذا، ومن الناس من ينكر كل أفعاله السيئة، ويحلف على ذلك بالأيمان، يقول الرب وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٢، ٢٣].
وعن المبررين يقول إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء: ٩٧].
وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ لعل مرادهم أن الله لا يعلم السر والخفيات، وإنما يرى ظاهر أعمالهم، وقد ذكر المفسرون أن فريقا من الكفار اجتمعوا عند الكعبة، فقال بعضهم: أتظنون أن الله يسمعنا؟ فقال الآخر: بلى، إذا رفعتم أصواتكم سمعكم، وقال الثالث: إن من يسمع النداء يسمع النجوى، فنزلت الآية.