من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٧ - أليس الله بكاف عبده
على الله. وكثير من الناس يمارسون الكذب على الله وهم لا يشعرون، وذلك حين يقولون: هذا حلال وهذا حرام، دون سلطان من الله أتاهم. وجرم الكاذب على الله عظيم، ولا يعادله إلا تكذيب الصدق الذي يجيء من عند الله، إذ الإنسان مسؤول عن معرفة الصدق والتصديق به، ولا يجوز أن ينطوي على نفسه ويقول: من أين نعرف صدق هذا الداعية؟ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ وجزاء هذا وذاك الإقامة في جهنم، لأنهما معا كافران. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ويترك السياق الجواب عليهم لكي تقر ألسنتهم به.
[٣٣] وفي مقابل هؤلاء يقف الصادقون فحين يخرجون عن ذواتهم يرون الحق بوضوح، لأن مشكلة الذي لا يرى الحق انغلاق نفسه، فهل تدخل الشمس غرفة مغلقة مسدلة الستائر؟! كلا .. فعلى الإنسان أن يفتح صدره، ويزيل الستائر والحجب من ذاته، لكي يدخل نور الله أرجاء قلبه. وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ جَاءَ بِالصِّدْقِ أي دعا إليه كالرسول، وَصَدَّقَ بِهِ أي التزم بما آمن، فلا يكفي الإيمان بصدق شيء من دون العمل بمضمون هذا الإيمان، والصديق هو الذي يؤمن في الأوقات الحرجة، حيث لا تسمح له السلطات ولا يؤيده الناس.
وجاء في تفسير مجمع البيان: (قيل الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه واله وصدَّق به علي بن أبي طالب عليه السلام .. و هو المروي عن أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام) [١].
والصديق يتقي بصدقه عذاب الله أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ القرآن عادة ما يربط بين الفكر والعمل برباط التقوى، والتقوى حقيقة تدور حولها كل الحقائق، وهذا ما تشير إليه الآية إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧].
[٣٤] وفي الجنة لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ لأنهم تركوا ما يشاؤونه في الدنيا، فأهواؤهم كانت تدعوهم للخضوع إلى الطاغوت، والميل للمجتمع الفاسد، والانسياق وراء شهوة البطن والفرج .. وهكذا أعطاهم الله ما يشاؤون، أو لأنهم أعطوا للمحتاج ما يشاء أعطاهم الله ما يشاءون. وكلمة مَا تعني الإطلاق، فهم لا يتمنون على الله شيئا إلا أعطاهم. وقيل: إن ما عند ربهم يشاؤونه، فقد أعد الله لهم نعيما في الجنة يشاؤونه، ولا تعارض في المعنيين.
ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ بعد مرحلة التقوى يأتي الإحسان، والإحسان هو العطاء، ونتساءل: هل يمكن أن يعطي الإنسان شيئا دون أن يخرج من قوقعة ذاته؟ كلا .. فالذي يعيش
[١] تفسير مجمع البيان: ج ٨ ص ٦٤٢.