من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٥ - أليس الله بكاف عبده
دفائن العقل، من ذلك ما نجده في هذا الدرس حيث يهدينا إلى حقيقة يحاول ابن آدم إنكارها تكبرا وعلوا حتى أضحت تشبه في إنكار الناس لها الباطل، وتلك هي الموت الذي ينتظر كل حي، ولكن الموت هو أهون المراحل التي تنتظرنا، فما بعده أعظم، كالاختصام يوم القيامة، ذلك لأن الإنسان لا يستطيع في ذلك اليوم حين يقف وحيدا أمام محكمة الحق أن يتهرب من الحقائق، فلا بد إذا أن نهتم بالمعايير الأخروية اليوم وقبل ذلك اليوم. وفي بداية سورة آل عمران قلنا: إن الإيمان بالبعث يمثل حجر الزاوية في فكر الإنسان المسلم، حيث يحافظ على توازنه، ويدعوه إلى الإيمان بحقائق خارج محيط ذاته وإنها هي المحور، وإذا آمن الإنسان بوجود محور في الحياة بحث عنه، وإذا بحث عنه وجده.
وهذا الدرس امتداد للدرس الماضي، حيث ذكرنا هنالك أن القلب الخاشع لله يهديه الله للإسلام، فيعترف بوجود الحق، بعكس القلب القاسي المنغلق على ذاته، الذي لا يعترف إلا بما يعيش داخله، فهو يتمحور حول ذاته.
وفي هذا الدرس يعرض القرآن مفارقة بين من جاء بالصدق وصدَّق به، ومن يكذب على الله ويكذِّب بالحق ويدَّعي الأنداد لله، وبعد ذلك يعلن الله كفايته لرسوله رغم تخويف المشركين له بالذين من دونه، وأنهم لن يستطيعوا إضلال من هداه الله، ولا يستطيع الذين من دونه كشف الضر عنا أو منع الخير.
بينات من الآيات
[٣٠] من أبرز وأخطر مصيبات البشر انغلاق قلبه عن حقائق الخليقة، وإيمانه بمقاييس ذاتية، يقيم بها الأحداث والأشخاص من حوله، فكيف يتخلص الإنسان من هذه المصيبة التي تعمُّ سائر أبناء آدم، وتعبير آخر كيف يتقي الإنسان شح ذاته، ويخرج من زنزانة نفسه الضيقة إلى رحاب الحق؟
لا ريب أن وعي الموت والنشور ثم الوقوف أمام محكمة الحق أقرب السبل للخلاص من هذه البلية، ذلك أن اعتقاد الإنسان بوجود مقاييس موضوعية ثابتة عند الله، وأنه سوف يعرض عليها بأفكاره وأقواله و أعماله، وسوف يحاكم وفق تلك المقاييس شاء أم أبى، كل ذلك يعيده إلى رشده، وينمي عقله على حساب هواه، ويجعله يبحث عن تلك المقاييس اليوم وقبل فوات الأوان.
هكذا يدعونا الإيمان بالبعث إلى الإيمان بكل الحقائق، وهو كما أسلفنا حجر الزاوية