من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦١ - واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم
من أجل القيم، فالقيم لا اختلاف فيها، وإنما الاختلاف نتيجة للبغي والسعي وراء حطام الدنيا.
وعندما يجد الإنسان الخلافات الاجتماعية، يكاد ينكر هيمنة الخالق على الخلق، ويظن أنه تعالى فوَّض الأمور إليهم، ويتساءل: إذن لماذا لا يحكم الرب بين عباده، ويفض الخلافات؟ ولماذا لا ينصر أصحاب الحق؟.
وما هي إلا وسوسة شيطانية لفصل الخلق عن هيمنة الله، إذ إنها تدفع الإنسان لاختيار وسائله الكفيلة بتحقيق مصالحه، ولا يهمه بعد ذلك لو ترك الدين جانبا، والآية الأولى من هذا الدرس تؤكد أنه قد سبقت كلمة تقضي بتأجيل الحسم في الخلافات، وأن ذلك لا يدل على التفويض أو الإهمال، من قبل الله! بل مجرد إعطاء فرصة للابتلاء، ولولا ذلك لكان يأخذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر.
ويعتمد الاختلاف على أرضية الشك بالقيم الحقيقية المتمثلة في الكتاب، ولذلك لا تختلف الأمم حين تعتمد الكتاب محورا لوحدتها، ومرجعا لخلافاتها وصراعاتها، ولكنها حينما تفقد الإيمان بالكتاب، وتبحث عن مصالحها على حساب الآخرين، تتنامى صراعاتها، لأن الضمانة التي تحجز عن دفع الصراعات نحو التطرف هو الإيمان بالقيم والاعتصام بحبل الله، وإلا فما أسرع تأثر البشر بالأحداث الاجتماعية والسياسية من حوله- فهو وبسبب نفسه الأمارة بالسوء- يسعى للتطرف في الرد على من يخطئ عليه أو يقصر تجاهه، وفي قوله تعالى وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨]، إشارة صريحة لهذه الطبيعة في الإنسان، وإنما يستطيع أن يتجاوزها باليقين والاستقامة، فلا تدفعه الأهواء ولا الدعايات الضالة إلى المواقف المتطرفة تجاه الآخرين، وهذا أمر صعب أن يقول الإنسان الحق، سواء كان معه أو ضده، وهذا ما أمر به الله نبيه صلى الله عليه واله أن يعدل بين الناس، لأن العدل ينتهي في الأخير إلى صالح الإنسان، ثم إن كل فرد مسؤول أمام الله عن أعماله في الحياة، فلا داعي إذن لفرض أحد آرائه على أحد، فالكل يتحمل مسؤولية عمله، ويتلقى جزاءه.
ثم يؤكد القرآن بأن الله لا يهمل الصراعات إلى الأبد، وإن كان سبحانه لا يتدخل فيها بصورة مباشرة، فيد الغيب تتدخل إلى جانب الحق، في الوقت المناسب لتدحض حجة الباطل، ولكن متى يكون ذلك؟. حينما تهبط الرسالة يؤمن بها مجموعة من الناس، ويلتفون حول صاحبها، بينما يخالفهم فريق آخر وبحجج واهية، فينصر الله المؤمنين على أعدائهم، ولا شك أن الرسالة وحدها لا تنتصر، إنما تنتصر الرسالة التي يلتف حولها الناس ويدافعون عنها.