من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٤ - وخسر هنالك المبطلون
بشدة ممن خالفهم، بعد انقضاء أجلهم.
[٧٩] الآيات الخارقة التي كان المبطلون يزعمون أنهم إنما يؤمنون بالرسالة إذا وقعت، ليست في الواقع مختلفة عن آيات الله المبثوثة فيما حولهم، إلا أنهم تعودوها فلم تعد تثير فيهم الإعجاب، وإنهم لو شاؤوا الإيمان لكفتهم هذه الآيات شواهد على توحيد الله، ولكن قلوبهم كانت عليلة، وهم بحاجة إلى استيعاب عبرة الأمم الذين خسروا حين جاءتهم الآيات التي طالبوا الرسل بها. وهكذا نجد السياق ينذر من طرف خفي بمصير أولئك الغابرين كل من لا يفتح أبواب فؤاده لآيات الله في الخليقة. اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا فهي ذات الأنعام ولكن الله جعل فيها فوائد عظيمة للبشر فمنها ركوبكم. وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ والمسافة شاسعة بين حاجة الأكل وحاجة الركوب، فبينما الأكل طعام الإنسان لا بد أن يكون متناسبا مع متطلبات جسده ولينا، وقابلا للقضم والهضم، نجد مركبه ينبغي أن يكون قويا ومتناسبا وطبيعة الأرض سهلها وحزنها وجبلها وحرتها!
دعنا نقيس السيارات التي اخترعناها لسيرنا، هل تتشابه وخلق الله؟ إنها بحاجة إلى وقود لا يوجد في كل أرض، بعكس طعام الأنعام النابت من كل أرض توجد فيها، وهي بحاجة إلى مصانع، بينما الأنعام تتوالد، وهي ليست قابلة للأكل بعكس الأنعام .. وأخيرا فهي بحاجة إلى طرق معبدة، بينما تسير الأنعام في أشد السبل وعورة. أولا يدل ذلك على حسن تدبير الله لحياة الإنسان؟!
وبالرغم من أن مكاسب الحضارة الحديثة بدورها شاهدة على عظمة الله، لأنها بالتالي تهدينا إلى عظيم خلق الإنسان الذي سخر الله له الطبيعة بالعلم والقدرة، إلا أنها تكشف أيضا عن خبايا الطبيعة المحيطة بنا، التي هي خليقة الله، ومن أحسن منه خلقا وتدبيرا.
[٨٠] وفي الأنعام منافع أخرى في جلودها وأوبارها وأشعارها وحتى في فضلاتها، واليوم حيث أغنى الله الإنسان بوسائل السير السريعة عن الأنعام لازلنا بحاجة ماسة إلى تلك المنافع. وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ قالوا: تحمل أثقالكم إلى بلاد بعيدة، وتقضون بها حوائجكم، ويبدو لي أن في الآية إشارة إلى الزينة التي جعلها الله للإنسان في الأنعام، حيث قال ربنا سبحانه وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [النحل: ٦]. ومعروف العلاقة الحميمة التي تنشأ بين الأنعام ومالكيها بسبب وجود هذه الحاجة في الصدر. وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ فالله الذي خلق الإبل ليطوي به الإنسان المفاوز البعيدة، هو الذي أجرى سننه في البحر، وسخر للإنسان الفلك ليحمله عبر المحيطات إلى البلاد البعيدة.