من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧ - قل نعم وأنتم داخرون
يقول تعالى فَاسْتَفْتِهِمْ أيها الرسول واسألهم. والاستفتاء هو استطلاع الرأي .. أَهُمْ يعني الكفار والمشركين .. أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ولتفسير هذه الآية ثلاثة أوجه
الأول: أن المعني بالتساؤل هم الملائكة، ولا يملك الإنسان إجابة سوى الاعتراف بتفوقها الذاتي عليه من حيث القوة، فهي أقوى حتى من الجنة، التي يتصورها الإنسان لضعفه أنها آلهة، فهي من جهة القياس أولى بادعاء الألوهية والتمرد على الله، لكننا نجدها خاضعة له مسلمة لأمره، فلماذا إذن هذه النزعة نحو الربوبية في بعض بني البشر أو التكبر، وهم ضعفاء في الخلقة حيث عنصرهم الطين اللازب؟!
الثاني: أن المقصود بالخلقة الشديدة هم الجن، وما داموا أضعف من مقاومة قدرة الله وعذابه فلماذا يشرك البعض بهم، وهذا الأمر يستوجب العذاب الأليم الذي لا تحتمله أبدانهم الطينية الضعيفة؟!
الثالث: أن الآية تشير إلى سائر خلق الله في الكون، كالسماوات والأرض والكواكب حيث تتجلى آثار قدرة الله، التي دفع التشكيك فيها بالإنسان إلى الكفر بالبعث، فإذا ما تفكر الإنسان في خلقها وثق بقدرة ربه، وبالتالي آمن بيوم البعث، وهذا أظهر الوجوه فيما يبدو لي.
[١٢] ومشكلة الإنسان تجاه الحقائق الكبيرة أنه لا يستوعبها إلا إذا اتصف بسعة الأفق والتعقل، وكلما كان العقل كبيرا كان صاحبه أقدر على اكتساب المعرفة، وعقل الحقائق، والإمام علي عليه السلام يقول
(يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ إِنَّ هَذِهِ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا) [١].
والعاقل حينما يصغي للحقائق أو يشاهدها يتعجب منها ولكنه يصدقها، فلا يكذبك لو قلت له بأن الدلفين يستخدم الآن في عمليات التجسس أو أن العلم الحديث اخترع جهازا فلق به رأس البعوضة. أما الجاهل فهو لا يكذب الحقائق وحسب، بل ويستهزئ بصاحبها، ويسخر منه، وقد يوصمه بالجهل والجنون، وفي الوقت الذي يدل موقف الإعجاب على نمو العقل، وسعة الصدر، واستيعاب الحقيقة، فإن موقف السخرية دليل على ضيق الأفق، وجمود الفكر، والقرآن يصف الرسول بالإعجاب، بينما يصف الكفار والمشركين بالسخرية بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ.
[١٣] ومن شواهد تحجر قلوبهم، وجمود عقولهم، أنهم لا ينتفعون بالذكر، وقد يتعمدون التغافل عن الحقيقة وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ والتذكير هو إثارة معلومات الإنسان في ذاكرته مما
[١] نهج البلاغة: خطبة ١٤٧:.