من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦ - قل نعم وأنتم داخرون
[٨] وتهدم هذه الآية الكريمة العقيدة الباطلة، التي تقول بمعرفة الجن لجميع الأقدار التي جرت في الماضي، وما تجري الآن، وما ستقع مستقبلا، لأنهم يتصلون بالغيب ويطلعون عليه، وينفي القرآن ذلك نفيا مباشرا بقوله لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى لا يستطيعون التجسس أو استراق السمع من الله، وهو يوحي للملائكة بما يقدَّره ويقضيه، لتباشر تنفيذها بإرادته تعالى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يقذفهم حرس السماء بأسلحتهم لو حاولوا النفوذ واختراق الحجب، فهم في يقظة دائمة.
[٩] ويدحرون الشياطين دُحُوراً عند تسللهم لاستراق السمع، كما يكتب عليهم ذنبا يجمع إلى جرائمهم الأخرى، فينالون بذلك العذاب الشديد في النار بعد الحساب وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ، قال الإمام الباقر عليه السلام: (عَذَابٌ وَاصِبٌ
أَيْ دَائِمٌ مُوجِعٌ قَدْ خَلَصَ إِلَى قُلُوبِهِم) [١].
[١٠] والشياطين يسعون جهدهم للحصول على بعض المعلومات من السماء من أجل إضلال أهل الأرض بها، بعد تضمينها الأفكار الباطلة، وما عند الكهنة والمنجمين من الأخبار الصائبة هو من هذا النوع، فهم يجلبون ثقة الناس بهم، من خلال الجزئيات الصحيحة حتى يثقون بكل ما يصدر عنهم من الباطل إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ وفي الآية وآيات أخرى مشابهة دلالة على أن الشياطين تتمكن من الحصول على بعض الأخبار، من خلال مغامراتها المستمرة.
كما نستوحي من الآية وآيات أخرى أيضا في القرآن أن حديثا يدور لدى الملأ الأعلى عما يجري في الدنيا، متى ينزل المطر، متى تحدث الزلازل، و ... ولا ريب أن للظواهر الواقعة مستقبلا إرهاصاتها ودلالاتها، ولعل الحاسة السادسة، والنظر المغناطيسي، والانتقال التلقائي، والتنبؤات الصحيحة، والأحلام، وحتى بعض أبعاد السحر والكهانة والعرافة و .. و .. تدل على وجود مبشرات ومنذرات قبل وقوع الحوادث. أما الذين يزعمون بأنهم يتبعون الجن والشياطين فإنهم مخطئون، لأن الجن أساسا لا يملكون من علم الغيب شيئا، حيث يمنعهم حرس السماء من ذلك.
[١١] وبعد هذه المقدمة البليغة التي حطمت أسطورة الشرك بالجن، والتصور بأنها آلهة من دون الله، يخلص السياق إلى تساؤل من شأنه أن يهز نفوس الكفار والمشركين وعقائدهم من الأعماق، ويبعثهم على التسليم للرسالة وعقائدها الصائبة لو أرادوا ذلك.
[١] بحار الأنوار: ج ٥٦، ص ٣٧٦، تفسير القمي: ج ٢ ص ٢٢١.