من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٥ - وما كيد فرعون إلا في تباب
الله، والإسراف والارتياب والتكبر والتجبر، وبالتالي التملص من مسؤوليات النظام العادل والحاكم العادل- كيوسف عليه السلام- قد لا تظهر عاقبته في البدء ولكنها عند الختام، حيث يكون مصير المجتمع ما انتهى إليه أهل مصر، إذ ابتلوا بحاكم مثل فرعون. وهكذا علينا ألا تخدعنا المظاهر الخلابة لحضارة الشهوات بل ندرسها من خلال نهاياتها المأساوية، وما قيمة بدء الغرور مع عاقبة السوء. وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ بعد أن فشل فرعون في إقناع من حوله بضرورة قتل موسى عليه السلام، مما أثبت ضعف حجته، حاول الاعتماد على القوة المادية لفرض سيطرته على الجماهير، وهذه مرحلة من المراحل التي تمر بها الحضارات، فهي تبدأ بالقيم قوية حيوية، وتبلغ المظاهر المادية قبل أن تصل نهايتها إما بالدمار الشامل أو حالة العبثية المطلقة والانطواء التام. وهكذا نظام فرعون حينما تبين لهم خواؤه المعنوي وفراغه العلمي، توجه إلى البنايات الضخمة، حيث بنى صرحا عظيما حاول الوصول به إلى إله موسى، وهذا مؤشر واضح على نظرته الشيئية للحياة، وسعيه لتحدي القيم المعنوية بالمظاهر المادية.
إنه سعى نحو مواجهة إله موسى عز وجل، وتحدِّيه سبحانه بما لديه من إمكانات محدودة، كما فعل نمرود حين أمر بإعدام سجين وإطلاق الآخر، وقال لإبراهيم متحديا رب العزة: أنا أحيي وأميت، وهكذا يفعل الطغاة في كل عصر. إنهم يقومون- أمام كل حركة تحررية- باستعراض قوتهم لفرض الهيبة التي تكاد تسقط أمام عاصفة النهضة. وقد يكون فرعون هو الذي بنى بعض أهرامات مصر حسبما توحي به هذه الآية الكريمة، التي كان يسعى من خلالها لتضليل الناس وبلوغ أعلى مكان في نظره وهي أسباب السماوات.
وربما كان التضليل الفرعوني للناس هنا كان يتمحور في اتجاهين؛ الأول إشغال الناس عن التفكير بحقيقة الرسالة بصرفهم إلى الانشغال والتفكير بالصرح المادي الضخم، والآخر توجيه التفكير إلى منهجية خاطئة لا توصل إلى الحق أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً وهذا ديدن الطغاة كفرعون. إنهم يستصدرون الأحكام في مختلف القضايا بعيدا عن المنهجية السليمة حيث يعلم فرعون بأن الإله الحق الذي يدعو إليه موسى عليه السلام لا يدرك بالمقاييس المادية، ولكنه أخذ يستخدم منهجا ماديا بحتا للتعرف إلى الله- سبحانه وتعالى- والنتيجة التي سيصل إليها حتى إذا قدر أنه بلغ السماوات العلى خاطئة، وعلى ضوء هذا المنهج سيكون موسى كاذبا.
ومن المعروف أن فرعون كان يُسخِّر المستضعفين لبناء الصرح سخرة وبلا أجور، وكان الكثير من هؤلاء التعساء الذين كان يحشرهم من مختلف أنحاء مصر يموتون تحت ضغط الكدح، وسوء التغذية، و انتشار الأمراض، و كان قد خصص إلى جنب أهرامات مصر أراضي