من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٦ - وما كيد فرعون إلا في تباب
واسعة لاستقبال جثث هؤلاء المساكين مما أثار هذا ا لعمل بذاته غضب الجماهير، وهيأ أرضية التحول عند شعب مصر. وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ بسبب تراكم العادات والممارسات السيئة على قلبه المتكبر الجبار، فكان يرى الباطل حقا والعكس، إلى هذا المستوى الهابط من الاعتقاد، حيث زعم أنه يتحدى بقوته المحدودة إرادة الله. ألم ير الجبال كيف أرساها الرب، وأنه إذا صعد عليها رجل لا يرى السماء إلا بمثل ما يراها على الأرض؟! أولم يعلم أن عاصفة واحدة تكفي لاقتلاع مظاهر قوته في لحظة؟! وقد جاء في الحديث
[فَبَنَى هَامَانُ لَهُ فِي الهَوَاءِ صَرْحاً حَتَّى بَلَغَ مَكَاناً فِي الهَوَاءِ لَمْ يَقْدِرِ الإِنْسَانُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيَاحِ القَائِمَةِ فِي الهَوَاءِ فَقَالَ لِفِرْعَوْنَ: لَا نَقْدِرُ أَنْ نَزِيدَ عَلَى هَذَا وَبَعَثَ اللهُ رِيَاحاً فَرَمَتْ بِه] [١].
ومن جملة الآثار النفسية التي يخلفها العناد والإصرار على ممارسة السيئة الصد عن سبيل الله. وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ وهو القيادة الرسالية التي تمثل رسالة الله، والتي تهدي البشر إلى ربه الرحيم، وهل يخضع المتكبر إلى الحق، أو هل يرتضي الجبار العدل؟ كلا .. إذن فهو سوف يتبع الباطل في الحياة، وحيث رفض السبيل إلى الله (القيادة الرسالية) فسوف يحاربها ويكيد لها. ولكن سنة الله وإرادته فوق محاولات فرعون الفاشلة لإطفاء نوره عز وجل. وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ أي يحوطه الفشل والخسران من كل جانب.
[٣٨] وهنا يبرز على مسرح الأحداث مرة أخرى مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه ثم تحدى به فرعون في اللحظة المناسبة فحاز على فضيلة الكتمان وفضيلة التحدي معا، وهي كلمة الحق عند السلطان الجائر. ونحن إذا تعمقنا في قصة هذا المؤمن من خلال القرآن الحكيم، نعرف حينها المعنى الحقيقي للتقية في الإسلام، و يجب أن نبلور هذا المفهوم لأن التقاة تحولت لدى الكثير إلى تبرير للتقاعس والنكوص عن الجهاد، بينما التقية (التقاة) في مفهوم الرسالة هي العمل والجهاد المركز والمستمر بعيدا عن أعين الطغاة حتى تحين لحظة التحدي الكبير. وهل يحتاج إلى الكتمان إلا من يجاهد الطغاة؟!
إن البعض يجعل كلمة التقية بديلا عن العمل والتحرك في ظروف القمع والإرهاب، ولكنه لا يتحرك حتى في الظروف المناسبة، ومثال ذلك اولئك الذين يرفضون التجاوب مع الحركات الرسالية ويبرّرون ذلك بوجود الإرهاب، ولكنهم يرفضون الجهاد حتى في المهجر حيث يعيشون حالة الأمان. إن (التقاة) حقا هي أن تحافظ على نفسك وتحركك الجهادي بعيدا عن سطوة الظالم في ظل الإرهاب، لتحتفظ بقوتك ليوم الصراع. وهكذا كان مؤمن آل فرعون (حزقيل) يكتم إيمانه، ويتحرك في ظل توجيهات القيادة الرسالية، منتظرا الساعة
[١] بحار الأنوار: ج ١٣ ص ١٢٥.