من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٢ - وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا
[١٨] وبين هؤلاء المنحرفين- الكافرين عمليا- كانت هناك مجموعة من المؤمنين الصادقين، أنجاهم الرب، وكان سبب نجاتهم هو تقواهم واجتنابهم ما ارتكبه الآخرون من الجريمة والفحشاء. وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ويذكر الرواة في تفسير هذه الآية قصة مفيدة هي كما روى ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وابن عساكر: [أَنَّ عُتَبَةَ بنَ رَبْيعَةَ، وَكَانَ أَشَدَّ قُريَشٍ حُلْماً، قَالَ ذَاتَ يَومٍ وَهُوَ جَالسٌ فِي نَادِي قُرَيشٍ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله جَالِسٌ وَحْدَهُ فِي المَسجِدِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ، أَلَا أَقُومُ إِلَى هَذَا فَأُكلِّمُهُ فَأعْرضُ عَلَيهِ أُمُوراً لَعلَّهُ أَن يَقبَلَ مِنْهَا بَعْضَهُ، وَيَكُفَّ عَنَّا؟ قَالُوا: بَلَى يَا أبَا الَولِيدَ. فَقَامَ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه واله فَذَكَرَ الحَدِيثَ، فِيمَا قَالَ لَهُ عُتْبَةُ، وَفِيمَا عَرَضَ عَلَيهِ مِنَ المَالِ والمُلْكِ وَغَيرَ ذَلكَ، حَتَّى إِذا فَرَغَ عُتْبةُ قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله
أَفَرغْتَ يَا أبَا الَوليدِ؟
قَالَ: نَعَم.
قَالَ صلى الله عليه واله
فَاسْمَعْ مِنِّي،
قَالَ، أَفْعَلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله حم (١) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. فَلَّما سَمعَهَا عُتْبةُ أَنْصَتَ لهَا، وَألقَى يَدَيهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، مُعْتَمداً عَلَيهِما يَسْتَمعُ مِنْهُ، حَتَّى انْتَهَى رَسُولُ اللِه صلى الله عليه واله إِلى المَسْجِدِ فَسَجَدَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه واله
سَمَعْتَ يَا أبَا الَولَيدِ؟
قَالَ: سَمِعْتُ، قَالَ صلى الله عليه واله
أَنْتَ وَذَاكَ.
فَقَامَ عُتْبةُ إِلى أْصحَابهِ، فَقَالَ بَعْضُهمُ لِبَعضٍ: نَحْلِفُ بِاللهِ لَقَدْ جَاءَكمُ أَبوُ الَوليدِ بِغَيرِ الوَجْهِ الذِي ذَهَبَ بِهِ، فَلَّما جَلَسَ إِلَيهم قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أبَا الَوليدِ؟ قَالَ: وَاللهِ إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ قَولًا مَا سَمِعْتُ بمِثلِهِ قَطُّ، وَاللهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، وَلَا بِالسِّحرِ، وَلَا بِالكَهَانَةِ، وَاللِه لَيكوُنَنَّ لِقَولهِ الّذِي سَمِعْتُ نَبَأ] [١].
[١٩] وأما العذاب في الآخرة فهو الأكبر والآلم، والأشد والأبقى، وما أصاب الكافرين من عذاب في الدنيا، لا يقاس بذرة من عذاب الآخرة إطلاقا، لأنها تحمل عنصري الشدة والبقاء وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه: ١٢٧].
من تطوَّف في المستشفيات وبالذات التي تأوي الحالات الصعبة، أو زار ساحات القتال وشاهد المناظر الرهيبة، ثم دار على المناطق المنكوبة ببركان تفجر فسال لعابه النحيس على القرى المحيطة فأذابها، أو بسيول عارمة اقتلعت في طريقها الأشجار و دمرت القرى .. أقول مثل هذا الإنسان يعي- بعض الشيء- معنى العذاب في الدنيا، وفظاعته، و بشاعة مناظره .. ولكن كل ذلك العذاب، وكل تلك الويلات والمآسي، تُعَدُّ تافهة إذا ما قيست بعذاب الآخرة، وهول ما يجري فيها، ودوامه. بلى، إن عذاب الدنيا يهدينا إلى وجود العذاب الأخروي، وجانبا من حقيقته .. الحمى وآلامها التي قد تعتري الجسم فتحوله إلى خرقة بالية! ليست سوى لفحة من
[١] الدر المنثور للسيوطي: ج ٥، ص ٣٦٤.