من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٠ - وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا
لذلك أخبرنا الرب بأن إعراض العرب- لو تم- يوم دعاهم الرسول إلى القرآن لا يختلف عن إعراض عاد وثمود، فإن العاقبة واحدة لأن السنة الإلهية واحدة. فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إن العرب ينقسمون إلى ثلاث طوائف: العرب العرباء (عرب اليمن) والعرب المستعربة (العرب من نسل إسماعيل عليه السلام) والعرب البائدة (كقوم عاد وثمود)، والسؤال: هل بادت عاد و ثمود صدفة أم لأسباب ومبررات، وهي تتجدد (السنة) فيما لو تجددت تلك الأسباب والمبررات؟ بلى، إنها بادت لأسباب ومبررات.
[١٤] ويجمع كل تلك الأسباب والمبررات الكفر، وفي الآية الكريمة التالية توضيح لذلك إِذْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ كانت تلاحقهم من كل جانب، وتأتيهم بكل طريقة، وتحاول هدايتهم بكل كلمة بليغة، وبكل أسلوب سليم، كانت تأتيهم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ أي تقول لهم قبل الانحراف: لا تنحرفوا، وَمِنْ خَلْفِهِمْ أي تقول لهم بعد الانحراف: لماذا انحرفتم؟ دعوا الانحراف.
لقد جاؤوهم ودعوهم إلى تلك الحقيقة المهمة التي هي خلاصة رسالات الأنبياء جميعا، وهي أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ولكن، ماذا كان جوابهم؟ لقد زعموا أن الله ينبغي أن يبعث ملكا رسولا، إما أن يكون رسولهم واحدا منهم يأكل الطعام، و يمشي في الأسواق، ولا يملك خزائن الأرض فلا .. قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فكفروا بالرسالة لاعتمادهم على منهج مادي بحت لمعرفة الحق، فهم كفروا بما أرسل به الأنبياء قبل أن ينظروا فيه، بل لمجرد أن المبعوث به ليس ملكا.
[١٥] ماذا كانت عاقبة كفر أولئك الناس من أسلاف العرب؟
فَأَمَّا عَادٌ تلك الحضارة القوية، التي هلكت في عز شبابها، وعنفوان قوتها. فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ كانوا يستكبرون، أي يحسبون أنفسهم كبارا فيظلمون الناس، ويغصبون حقوقهم لمجرد أنهم أوتوا قدرا من القوة. وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ولكن من لا يستطيع أن يمنع عن نفسه عاديات الطبيعة، كعادية الريح والبركان، كيف يسمح لنفسه بأن يتعالى على الله رب الريح والبركان؟! كيف يستطيع أن يتكبر على النظام الذي يسير كل جزء من كيانه، شاء أم أبى؟! أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً أولم يعرفوا هذه الحقيقة الواضحة؟ بلى، جحدوا بها برغم توافر الآيات عليها. وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ وهذا الجحود كان نتيجة للاستكبار، لأن الاستكبار يصبح حجابا سميكا بين الإنسان وبين الحقيقة.