من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٢ - قل لله الشفاعة جميعا
هدى من الآيات
إن آيات الله في الكون التي يشير إليها هذا الدرس، ليست فقط دليلا للإنسان على وجود الله، بل طريقا إلى معرفته المعرفة الأسمى أيضا. وعلى الإنسان أن لا يكتفي بدرجة من الإيمان بل يتابع مسيرته التكاملية حتى يصل إلى مرحلة العرفان، وللعرفان أيضا درجات، فكلما تفكر الواحد في آيات الله في الآفاق وفي نفسه، والتحولات والتغيرات التي تحدث عنده، ازداد يقينا ومعرفة، حتى يبلغ الحد به أن يقول
(لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينا)
[١]، كما قالها سيد العارفين الإمام علي عليه السلام.
بينات من الآيات
[٤٢] تقارن الآية الأولى بين النوم واليقظة، وبين الموت والحياة عند الإنسان، فكما لم يكتشف العلم لغز الموت، فإنه لم يكتشف لغز النوم أيضا، وهما أخوان، ولكن بينما ينام الإنسان بخروج جزء من روحه، أو حسب تعبير بعض المفسرين (خروج نفسه وبقاء روحه)، فإن كل روحه تخرج بالموت. ولو فسرنا كلمة النفس بالعقل، فلا ريب أنه في حالة النوم يعيش البشر سباتا عقليا. ويذكرنا الله بأن الله هو الذي يسلب نفس الإنسان ويأخذها في حالتين: حالة النوم، وحالة الموت، فالتي يسلبها في حالة النوم يردها على صاحبها عند اليقظة، بينما يدع تلك الأخرى عنده إلى يوم البعث.
وفي الحديث عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال
(مَا مِنْ أَحَدٍ يَنَامُ إِلَّا عَرَجَتْ نَفْسُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَبَقِيَتْ رُوحُهُ فِي بَدَنِهِ وَصَارَ بَيْنَهُمَا سَبَبٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ فَإِذَا أَذِنَ اللهُ فِي قَبْضِ الأَرْوَاحِ أَجَابَتِ الرُّوحُ وَالنَّفْسُ وَإِنْ أَذِنَ اللهُ فِي رَدِّ الرُّوحِ أَجَابَتِ النَّفْسُ وَالرُّوح)
[٢]، وفي حديث آخر قال الإمام الصادق عليه السلام
(إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي احْتَبَسْتُ نَفْسِي عِنْدَكَ فَاحْتَبِسْهَا فِي مَحَلِّ رِضْوَانِكَ ومَغْفِرَتِكَ وإِنْ رَدَدْتَهَا إِلَى بَدَنِي فَارْدُدْهَا مُؤْمِنَةً عَارِفَةً بِحَقِّ أَوْلِيَائِكَ حَتَّى تَتَوَفَّاهَا عَلَى ذَلِكَ) [٣].
وربنا في هذه الآية يقول اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وفي اللغة توفى بمعنى أخذ الشيء وافيا. وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا تلك النفس التي لم تمت يتوفاها الله عند النوم. فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ولا يدعها تعود إلى الجسد، ولعل الآية تشير إلى
[١] بحار الأنوار: ج ٦٦ ص ٢٠٩.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥٨ ص ٢٧.
[٣] الكافي: ج ٢ ص ٥٣٦.