من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥ - إنا كذلك نجزي المحسنين
قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ عليه السلام
أَحْرِقْ كُتُبَكَ)
[١]. وجاء حديث آخر مأثور عنه عليه السلام أنه قال بعد أن سئل عن النجوم
(هُوَ عِلْمٌ قَلَّتْ مَنَافِعُهُ وكَثُرَتْ مَضَارُّهُ لَا يُدْفَعُ بِهِ المَقْدُورُ ولَا يُتَّقَى بِهِ المَحْذُورُ إِنْ خَبَّرَ المُنَجِّمُ بِالبَلَاءِ لَمْ يُنْجِهِ التَّحَرُّزُ مِنَ القَضَاءِ)
[٢]. وقال الإمام الصادق عليه السلام
(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ سَقِيماً وَمَا كَذَبَ إِنَّمَا عَنَى سَقِيماً فِي دِينِهِ مُرْتَاداً) [٣].
وحينما نقرأ الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية الكريمة، نجدها تؤكد على رفع الشبهة القائلة بأن التقية حرام لأنها تضطر العاملين للكذب، بل إنها من دين الله ويستدل الأئمة على ذلك بالقرآن الحكيم. (عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عليه السلام
التَّقِيَّةُ مِنْ دِينِ الله.
قُلْتُ: مِنْ دِينِ الله؟!. قَالَ عليه السلام
إِي واللهِ مِنْ دِينِ الله وَلَقَدْ قَالَ يُوسُفُ عليه السلام
أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ
واللهِ مَا كَانُوا سَرَقُوا شَيْئاً. ولَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام
إِنِّي سَقِيمٌ
واللهِ مَا كَانَ سَقِيماً) [٤].
ولعل نظر إبراهيم عليه السلام إلى النجوم في ذلك المجتمع الزراعي الذي اعتقد بأنها ذات تأثير حاسم في حياته كان للإيحاء إليهم بأنه يؤمن بها كما يؤمنون، فيبعد عن نفسه شبهة الكيد بأصنامهم فلا يأخذوه إلى عيدهم عنوة ويفشلوا خطته. وقال سَقِيمٌ تورية إذ إنه من دون تحطيم الأصنام كان سقيما، أو ليست الأصنام كانت تعبد من دون الله جهارا، فكيف لا يكون مريض القلب مهموم الفؤاد، دائم الكآبة وهو لما يقض على الأصنام بينما يفهم القوم المرض فيكون عذراً للغياب عن عيدهم.
وهكذا شأن الأنبياء عليهم السلام والمعصومين عليهم السلام حال التقية يستخدمون التورية وليس الكذب وإن أباحته الضرورة المسوغة للتقية.
ولعل هذا هو مراد الإمام الصادق عليه السلام أنه كان سقيما في دينه، إذ لا ريب أن إبراهيم عليه السلام كان مخلصا طاهرا حنيفا وهو الذي قال عنه الرب إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
[٩٠] وبالفعل نجح نبي الله في مهمته، حيث اطمأن القوم إلى كلامه وذهبوا جميعا إلى عيدهم. فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ وفي هذا التعبير إفصاح عن مدى الاطمئنان من قبل القوم، حيث وصفهم القرآن بالإدبار، ولو لم يكونوا كذلك لكانوا يلتفتون إلى ورائهم فلا يصح وصفهم به. والحركة الناجحة هي التي يتمكن أفرادها من التغطية على تحركهم بحيث يسلبون النباهة والحذر من العدو ليفاجئوه بالضربة القاضية، وفي الوقت نفسه لا يتركون أثرا يدل على خطتهم.
[١] من لا يحضره الفقيه: ج ٢ ص ٢٦٧.
[٢] وسائل الشيعة: ج ١٧ ص ١٤٣.
[٣] بحار الأنوار: ج ١١ ص ٧٦.
[٤] الكافي: ج ٢ ص ٢١٧، تفسير العياشي: ج ٢ ص ١٨٤.