من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧ - إنا كذلك نجزي المحسنين
[٩٧] ولأن إبراهيم عليه السلام تحدى الانحراف بهذا المستوى، والأسلوب الخطير، عزموا على قتله بأبشع صورة ممكنة في نظرهم، لكي لا يفكر الآخرون في السير على نهجه، وهذا هو ديدن الطغاة إلى اليوم. قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ وكان نمرود وسائر القوى التي تهددها حركة إبراهيم عليه السلام قد اتفقوا على إشعال نار عظيمة ثم يلقونه فيها بالمنجنيق، علما بأن نارا أقل من التي أشعلوها بكثير، كانت كافية لتحويله- في الظروف العادية- إلى رماد، ولكنهم أرادوا أن يورِّطوا جميع الناس في مواجهة النبي عليه السلام بجمعهم الحطب لها. ونحن نجد حالة التعبئة العامة التي يعلنها الطغاة عندما تواجه سلطاتهم أخطارا حقيقية، ويعملون المستحيل لإشراك الناس فيها بغية أمرين
الأول: إلهاء الناس عن حقيقة ما يجري.
الثاني: توريط الناس في الجريمة حتى لا يميلوا ناحية المصلحين.
ففرعون دعا الناس إلى الاجتماع في يوم الزينة ليشهدوا غلبة السحرة في ظنه، وأصحاب الأخدود جلسوا على حافتيه يشهدون ما يفعلون بالمؤمنين.
[٩٨] ولكن يد الله فوق أيديهم، وإرادته غالبة ينصر بها عباده المؤمنين، فقد أحبط الله عملهم، و أفشل مخططاتهم. فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَسْفَلِينَ لقد كانوا يهدفون من وراء القضاء على إبراهيم أن تتم لهم السلطة والسيطرة، بإثبات قوتهم القمعية وصحة أفكارهم، ولكن الله أوصلهم إلى نقيض تطلعاتهم. وكلما كان كيد الكفار والطغاة أشد، كانوا أعمق فشلا وخزيا.
[٩٩] أما إبراهيم عليه السلام فقد مضى في طريق الجهاد قُدُماً حيث هاجر في سبيل الله، ولعله كان قادرا على البقاء في تلك المدينة لأنه تحدى طواغيتها وانتصر عليهم، لكنه لم يَرَ أن يعاشر الكفار، بل أراد أن يبني مجتمع الإيمان بعيدا عن البيئة المنحرفة. وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ يعني مهاجر في سبيل الله، ومن الطبيعي أن من يهاجر مجاهدا سوف يهديه ربه إلى الحق والخير، وربما هذا هو تفسير هذه الآية الكريمة وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩].
[١٠٠] وكان هَمُّ إبراهيم وتطلُّعه الآخر أن يلتحق به في الدرب آخرون يؤمنون به ويحملون رسالته فقال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ وقد حدد لنا نبي الله بهذه الكلمة، نوعية الطموح الذي ينبغي للإنسان أن يتطلع إليه، وهو يبحث عن أولاد أو عن أنصار وأتباع للرسالة، وذلك بأن يبحث عن النوع لا عن الكم وحسب.