من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٢ - قالوا ربنا الله ثم استقاموا
بلى، إن أحسن القول هو الدعوة إلى الله المقرونة بالعمل الصالح والتسليم، والمقرونة كذلك بالخلق العظيم الذي يختار صاحبه أحسن السبل فإذا بالعدو يصبح وليا حميما.
وإنها لذروة الفضيلة لا يبلغها إلا الصابرون من ذوي الحظوظ العظيمة! وقد يدفع الشيطان أحدهم إلى الوراء قليلا، ولكنهم يستعيذون بالله من شره فيستجيب الله دعاءهم.
بينات من الآيات
[٣٠] كما يمكن أن يتسافل الإنسان إلى الحضيض حيث يقيِّض له الله سبحانه قرناء يزينون له سوء عمله فلا يهتدي أبدا إلى السبيل، كذلك يستطيع أن يسمو ويسمو حتى يصبح فؤاده مأوى لملائكة الله، فئة تهبط وفئة تعرج متى؟ حين يكفر بالطاغوت، ويعلن توحيده على الملأ، ويقول: ربي الله، لا الأصنام لا الأنداد لا المجتمع الفاسد لا السلطة الطاغية. إنه لا يكتفي بالإيمان في قلبه بربه، بل يعلنه متحديا القوى المادية، وبذلك يشق للناس طريق التوحيد بين أوغال الشرك. إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ إنهم قالوا ذلك، والقول بذاته تحدي، والتحدي بدوره دعوة. إنه دعوة بكسر حاجز الصمت، و الخوف، ومقاومة حالة اليأس والسلبية.
إننا أمرنا بأن نعلن البراءة من المشركين، ومما يشركون به، أفلا نتلو سورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١]!. إن المطلوب منا أن نقول كلمة التوحيد بما تحمل من مخاطر الرفض والتمرد، وهي حقا أعظم كلمة في عالم الإنسان، لأنها مفترق الطريق بين العبودية والتحرر، بين الذلة والعزة، بين النار والجنة.
ثُمَّ اسْتَقَامُوا وماذا تعني كلمة التوحيد من دون الاستقامة؟ أوليس التوحيد بمعنى رفض الأنداد، رفض سلطة الطغاة، والمترفين، وحمير الأسفار، فإذا عاد الإنسان وخضع لهؤلاء الأنداد فإنه ينفي أصل التوحيد. ويبدو أن الله سبحانه يهدي العبد إلى معرفته، ويدله على ذاته بذاته، ثم يبتليه بألوان الفتن، تارة في ماله، وأخرى في جسده، وثالثة بتسليط الجبابرة عليه، وهكذا ليمتحن إيمانه، فإذا انهار وكله إلى نفسه، وأما إذا استقام نَزَّل عليه ملائكته ليثبتوه. وهكذا تتركز صعوبات الاستقامة في أيامها الأولى، حيث لا تتنزل الملائكة، وحيث يتساوى الناس في درجة الضغط الذي يتعرضون له لامتحان قوة إيمانهم، أما في المرحلة التالية فإن من استقام تهون عليه الضغوط لنزول الملائكة عليه بالسكينة والتأييد. تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا من المستقبل وما يحمله لكم من آلام، وهكذا يزيل الملائكة عن قلب المستقيم أثر أمضى سلاح تستخدمه قوى الشرك وهو سلاح الإرهاب. وحين نسير في الأرض نرى الخوف أعظم دعامة لحكم الطغاة والمستكبرين، فإذا تجاوز إنسان أو شعب حاجز