من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٤ - قالوا ربنا الله ثم استقاموا
[٣١] من ارتقى ذروة الإيمان عاش هنالك وحده، ويخشى عليه وحشة الانفراد، فهاهم أصدقاؤه يتفرقون عنه لأنه يستقيم على الحق، وهم يتساقطون تحت وطأة الضغوط، حتى يقول مثلما قال أبو ذر: (مَا تَرَكَ الحَقِّ لي صَدِيْقاً) [١]. وها هم أسرته يتخلون عنه، ويقولون له لا تحملنا ما لا طاقة لنا به .. وها هو المجتمع الفاسد أو اللامسؤول يواجهه، أو لا أقل يتخلى عنه في ساعة المواجهة، حتى لتكاد الدنيا تضيق به على رحبها .. هنالك تتنزل عليه ملائكة الله ليعلنوا ولاءهم له ومساندتهم إياه. ومن عاش مع الملائكة الموكلين بشؤون الكائنات لا يبقى غريبا. إنه يمشي في الاتجاه الصحيح مع كل الخليقة، إنما أعداء الحق هم الغرباء، لأنهم يعيشون ضد سنن الله في خلقه، وفي الاتجاه المضاد لحركة الكائنات. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لقد عاش إبراهيم عليه السلام وحده في ذروة التوحيد، فهل كان غريبا؟ وكيف يكون غريبا يتنزل عليه جبرائيل وميكائيل وإسرافيل؟ وحين وضع في المنجنيق ليرمى به في النار، هرعت إليه سائر الملائكة الموكلين بشؤون الطبيعة، وعرضوا عليه دعمهم له، فلم يقبل، إنما سلم أمره إلى الله، فجعل الله النار بردا وسلاما عليه. وَفِي الآخِرَةِ عندما تبلغ النفس التراقي، وتهبط على ابن آدم كربة الموت، ويقف أحباؤه حياله عاجزين عن تقديم أي عون له، هنالك تهبط ملائكة السلام على من استقام من المؤمنين فيبشرونه بالجنة. الله أكبر، ما أحلاها من بشارة، وما أعظمها من نعمة.
وعندما يوضع الإنسان في لحده، ويتفرق عنه أبناؤه وأحباؤه، وقد تركوه تحت التراب وحيدا غريبا، تهبط ملائكة الله بالبشرى على المؤمن، ويزيلون وحشته، و يرافقونه حتى النشور، وعندما يبعث الناس إلى ربهم في صحراء المحشر يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس: ٣٤- ٣٦]، و يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا [النحل: ١١١]، وحينها لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: ٣٧]، هنالك يتقدم ملائكة الرحمة لمرافقة المؤمنين إلى ربهم.
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ لقد زهدوا في الدنيا وشهواتها، فعوضهم الله بنعيم الآخرة، وإذا كانت شهوات الدنيا مشوبة بالآلام، ومشحونة بالمصائب والنكبات، وهي سريعة الزوال، فإن نعيم الآخرة التي تشتهيها نفوسهم صافية لا زوال لها. بلى؛ إن الدنيا والآخرة ضرتان، فمن رغب في الآخرة زهد في الدنيا، ومن أذهب طيباته في هذه الحياة الزائلة، فسوف لا يجد نعيما في تلك الحياة الأبدية.
لقد رُئِيَ على إمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام إزار خلق مرقع، فقيل له في ذلك،
[١] بحار الأنوار: ج ٣١ ص ١٨٠.