من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٩ - أم نجعل المتقين كالفجار
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ وحدد الله لهذا الكتاب غايات سامية فقال
١- لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ فالقرآن أنزل لكي يعطي للإنسان المؤمن البصيرة والرؤية السليمة في الحياة. وهذا لا يمكن بالمطالعة السطحية، بل لا بد من تفكر عميق في الآيات.
٢- والهدف الآخر بعد إدراك البصيرة أن تنعكس على حياة الإنسان فيتذكر بها ويصحح من خلالها في التفكير، وفي العمل منهجه. وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ لأن العاقل هو الذي يعرف قيمة القرآن، وأهميته، وهو الذي يتعرف إلى بصائره. ولاشك أن الذي يحكم عقله في الحياة هو الذي يستفيد من القرآن، أما الآخر الذي تحكمه شهواته فلن يتذكر به أبدا.
ونتساءل: ما هي صلة هذه الآية بالسياق؟
ونجيب
أولًا: بأن استنباط منهج الخلافة الإسلامية من القرآن صعب مستصعب لا يحتمله إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان، وعرف أنه لا يمكن أن يعترف بالقرآن بسلطة تجانب قيمة الحق، ومنهج التوحيد. أوليست السلطة السياسية تجسد قيم المجتمع. فكيف تستطيع سلطة فاسدة تطبيق قيم القرآن الإصلاحية؟! وهكذا أشار السياق إلى ضرورة التدبر والتذكر لتبصر هذه الحقيقة التي تتراكم عليها حجب الشهوات و الضغوط.
ثانياً: بأن منهج القرآن في توعية الإنسان باليوم الآخر منهج فريد، ولا يبلغ فهمه غير الذين يتدبرون في آيات الكتاب ويتذكرون بها.
[٣٠] وينقلنا السياق إلى قصة سليمان عليه السلام بعد أن استوحى عبر قصة داود عليه السلام وتلتقي القصتان في أنهما مثل لتجاوز الإنسان فتنة السلطة والقوة. وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ فميزة سليمان وعظمته الحقيقية ليست في انتمائه إلى رجل عظيم كداود عليه السلام ولا في سلطانه إنما في عبوديته لله سبحانه. ولو لم يكن من أهل الإيمان لما امتدحه في كتابه. فبه استطاع أن يتجاوز أكبر فتن الحياة، وهي فتنة السلطة فقد ملك عليه السلام ما لم يملكه أحد من الناس ولن يملكه من بعده، ولكنه لم يغتر بزينة الدنيا، إنما تجاوزها وتوجه لله، يتعبد ويضع نفسه في موقع المذنب ثم يتوب وهو المعصوم من الذنوب وإنما يعظم ربه عز وجل. وكيف يتكبر هؤلاء على ربهم وهم يعلمون بأن ما عندهم من فضله، وأن طريق الاستزادة هو المزيد من التذلل له والتضرع إليه؟!
[٣١] وتجسيدا لآية سليمان وتعبده لله، يعرض لنا القرآن صورة من حياته عليه السلام إِذْ