من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٣ - فالحكم لله العلي الكبير
الدعاء، وبحكمتك تستجيب أو لا تستجيب، وهكذا ينبغي على من يدعو أن لا يحتم على الله بل يقدم دعوته ويثني على ربه وحسب.
ويتوافق هذا الدعاء مع رغبة الإنسان حيث يتطلع إلى العيش مع أحبائه وأعزته في الدنيا والآخرة. و إنما تكتمل النعم عندما يجتمع الأحبة تحت ظلال نعم الله في الجنة.
[٩] ولا يبلغ البشر غاية مناه إلا إذا تخلص من سيئاته التي تتجسد يوم القيامة في صور شتى، فمنها الظلمات الحالكة، ومنها النيران الملتهبة، ومنها العقارب والحيّات، ومنها اقتران الشيطان، وقد تبتلع سيئة واحدة عامة صلاة الفرد وصيامه، وقد تتسبب في حبط أعماله الصالحة ونقص درجاته. وقد جاء في الحديث عن رب العزة أنه سبحانه قال
[أَنَا المَالِكُ أَنَا الدَّيَانُ لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَعِنْدَهُ مَظْلَمَةٍ حَتَّى أَقُصُّهُ مِنْهُ] [١].
وهكذا كان في دعوة الملائكة حفظ المؤمنين من سيئاتهم في ذلك اليوم الذي تتجسد فيه السيئات. وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ والوقاية هنا بمعنى الحفظ، وإنما يتقي البشر آثار السيئات في الآخرة عندما ينتصر على نفسه في الدنيا و يتجاوز الأهواء والشهوات السلبية. وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إن الوصول إلى النجاة من النار ودخول الجنة غاية عظيمة، وعمل صعب، وعلى الإنسان المؤمن أن يعقد عزمه ويشحذ إرادته من أجل تحقيقها، إذ كلما كان الهدف عظيما يجب أن تكون الإرادة عظيمة بقدره.
[١٠] هذا عن علاقة الملائكة بالمؤمنين. أما علاقتهم بالكافرين فهي سلبية وتتسم بالدعاء عليهم و التشمت بهم. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ تناديهم الملائكة وكل الطبيعة المفطورة على الحق الذي خالفه هؤلاء .. لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ إن الله يريد الخير لعباده وما خلقهم إلا ليرحمهم. أما إذا رفضوا الإيمان به والاستجابة لدعوته، وبالتالي أهانوا أنفسهم وأذلوها بالكفر، فإنه سوف يهينهم أضعافا مضاعفة على إهانتهم لأنفسهم، بإبعادهم عن رحمته، وإدخالهم العذاب. و الإنسان يهين نفسه ولا يحترمها حينما يحتقر الحق ويرفض الاستجابة له. ذلك أن لا قيمة للإنسان إلا بقربه من الحق وتجسيده له في حياته.
[١١] وفي جواب الكفار للنداء بشدة مقت الله لهم قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ونتساءل: متى كانت الموتتان؟!
[١] تفسير نور الثقلين: ج ٤ ص ٥١٦، بحار الأنوار: ج ٧ ص ٧٨.