من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٤ - فالحكم لله العلي الكبير
لقد اختلف العلماء والمفسرون في بيان هذه الآية، فقال بعضهم: إن الموتة الأولى قبل دخول الإنسان في الحياة الدنيا، حيث كان في عالم الأشباح حيا ثم مات، ثم دخل الحياة الدنيا ثم يموت عند بلوغه أجله ثم يحيى للحساب والجزاء. وقال آخرون: إن الله يحيي الإنسان في قبره بعد الموت ليحاسبه حساب القبر، وبعدها يميته ثم يحييه يوم القيامة للجزاء. وجاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال- في تفسير الآية-
[ذَلِكَ فِي الرَّجْعَةِ] [١].
وهناك تفسير آخر هو: أن الإنسان منذ أن خلقه الله لا يزال حيا، وهذه الحياة الأولى التي وهبها الرب للأرواح تستمر مع الإنسان في الدنيا فلا موت (إماتة) قبل هذه الحياة، ثم يوافي الإنسان أجله المتعارف في الدنيا فيموت، بمعنى: أنه تنفصل روحه عن جسده، وتبقى الروح في حالة الحياة (الحياة البرزخية). وبعد هذا الموت يموت البشر- مرة أخرى- فتنعدم عنه الحياة تماماً- أي تموت الروح- وذلك حينما ينفخ في الصور النفخة الأولى، وقد أشار القرآن الحكيم لهذا المعنى في سورة الزمر حيث قال وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٣٩]، وهذه هي الحياة الثانية التي تستمر مع الإنسان خالدة للأبد. وبين الحياتين والموتين تتجلى قدرة الله للبشر حيث لا يملك الكفار سوى الاعتراف بخطئهم، وأنهم قد أحيط بهم من كل جانب بسبب الذنوب التي اقترفوها في الحياة الدنيا، فيسألون الله بضراعة عن مخرج من مأزقهم. فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا وإننا لا نملك من أمرنا شيئا. فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ من النار.
[١٢] وتجيبهم الملائكة بأنه قد كان يوجد مخرج واحد فقط من هذا المأزق، وهو الإيمان بالله الواحد القهار والتسليم له وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق: ٦٥]، ولكنكم رفضتم الدخول فيه وضيعتم على أنفسكم الفرصة. ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا لأنكم كنتم تريدون إيمانا يبرر لكم شهواتكم، ويعترف بواقعكم الفاسد وتصرفاتكم الخاطئة، وهذا ما لا تجدونه في الدين التوحيدي الخالص، مما يدعوكم لرفضه. فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ أما الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله فلن ينفعوكم أبدا لأنهم لا يملكون شيئا من الحكم.
[١٣] وليس الله بعيدا عن البشر ولا مجهولا لمن يستثير عقله حتى يشرك به الإنسان، فرحمته المعنوية التي تتمثل في الهداية مهيأة لنا في كل شيء وفي كل حين، إذ كل شيء آية تهدينا إلى ربنا، ورحمته المادية التي تتجسد في أنواع الرزق هي الأخرى تتنزل علينا من السماء وتحوطنا من كل جانب. ويبقى الإنسان مع ذلك يشرك بربه ولا ينتفع من كل ذلك، إلا إذا كان مؤمنا
[١] بحار الأنوار: ج ٥٣، ص ٥٦.