من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٤ - وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
ثانياً: إذا اطمأنت النفس إلى عظمة البارئ الذي خلقها وأتقن صنعها، التجأت إليه بالدعاء، وخلعت رداء التكبر، وارتدت ثوب العبودية لرب العالمين، أما الذين يستكبرون عن عبادة الله، وعن الدعاء وهو مخ العبادة، فسيدخلون جهنم داخرين.
ثالثاً: نشكر ربنا على نعمه التي تحيط بنا، ولولا واحدة منها انعدمت حياتنا وتحولت إلى جحيم لا يطاق، فهو الذي جعل الليل سكنا والنهار معاشا، إنه فضل عظيم وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ولذلك تجدهم يستكبرون.
ولماذا ينحرف البشر عن صراط الله الذي ربَّاه ونعَّمه، وهو خالق كل شيء، ولا سلطان إلا سلطانه، ولا إله إلا هو الواحد الأحد؟ لأنه يجحد بآيات الله. وهكذا عاد السياق إلى موضوع رئيس في السورة، وهو التعامل مع آيات الله، وآيات الله- التي هي السبل إلى معرفته وعبادته- مبثوثة في الآفاق وفي أنفسنا، فهو الذي جعل الأرض قرارا والسماء بناء، وهو الذي صور الإنسان في أحسن تصوير، وأغدق عليه من رزقه الطيب. إنه ربنا ربَّ العالمين تبارك وتعالى.
وهو الحي الذي تفرد بالألوهية فإليه لا بد أن يجأر الإنسان خالصا له الطاعة والانقياد، وإن له الحمد كله، لأنه رب العالمين، لأنه هدانا إليه بالبينات التي أرسلها، ويتجلى حمدنا له في تحدي الكفار الذين يدعون الأنداد، وكذلك في تسليمنا له. أوليس قد أسلم له كل شيء في العالمين؟
مَنْ هذا الإنسان المسكين الذي يتكبر على ربه، وينازعه رداء العزة؟! إنه مخلوق كان أصله التراب فجعله الله نطفة ثم علقة ثم أخرجه طفلا ورعاه حتى أضحى بالغا رشيدا، وأحاطت به نعم الله حتى أمسى شيخا، بينما البعض توفاهم الله من قبل، كل قد حدد له أجلا، كل ذلك بهدف أن يعرفوا ربهم من خلال تطورات حياتهم ويعقلوا.
وبيده- لا بيد غيره- الحياة والموت، وهو مطلق القدرة، فعال لما يريد، وأمره- إذا قضى شيئا- بين الكاف والنون.
بينات من الآيات
[٦٠] الذين يعيشون في غياهب السجون، أو في ظلمات الحكم الطاغوتي، أو في ذلِّ المهاجر بعيدين عن الأهل والوطن، إن مثل هؤلاء سوف تهجم عليهم سحب اليأس والقنوط، ويتعرضون لموجات من الشك والارتياب. أحقا نحن على حق أم هم؟ فلماذا نراهم