من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٩ - إني مسني الشيطان بنصب وعذاب
وقد استفاد الفقهاء من هذا التفسير للآية الكريمة وأحاديث أخرى حدا شرعيا قالوا فيه بأن الزاني إذا كان مريضا لا يحتمل بدنه الجلد، فإنه يضرب مئة جلدة بهذه الطريقة ويسقط عنه الحد المتعارف. وفي الخبر
(إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه واله أُتِيَ بِرَجُلٍ كَبِيرٍ قَدِ اسْتَسْقَى بَطْنُهُ وبَدَتْ عُرُوقُ فَخِذَيْهِ وقَدْ زَنَى بِامْرَأَةٍ مَرِيضَةٍ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله فَأُتِيَ بِعُرْجُونٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً وخَلَّى سَبِيلَهُمَا وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) [١].
وبعد أن أمر الله أيوب عليه السلام بضرب زوجه- كما تقدم- أداء للعهد الذي قطعه على نفسه أكد له ضرورة الوفاء بالالتزامات التي يتعهد بها المؤمن تجاه ربه فقال وَلا تَحْنَثْ أي لا تمل إلى الباطل بترك الوفاء بالقسم ومخالفته، إذ ينبغي للإنسان المؤمن أن يفي بالتزاماته و عهوده التي يقطعها مع ربه على نفسه، فكثير من الناس حينما يمرضون أو يتعرضون للمشاكل، يدعون الله أن يعينهم ويرفع عنهم ذلك، وينذرون تقربا له أن لو رفعها سيفعلون كذا وكذا من الصالحات، و لكنهم بمجرد أن يصحوا أو تنتهي مشاكلهم يتناسون نذورهم وتعهداتهم. ثم على الإنسان أن لا يتعهد بما لا يقدر عليه، حتى لا يلحقه الإثم بحنثه. فهذا الإمام علي عليه السلام يأتيه رجل حلف أن يزن الفيل فقال
(وَلِمَ تَحْلِفُونَ بِمَا لَا تُطِيقُونَ) [٢].
وبعد ذلك يمتدح ربنا نبيه أيوب عليه السلام مركزا على أمور في شخصيته
الأول: صبره، حيث عرَّضه الله لألوان الابتلاءات فاستقام وتحمل. إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً
الثاني: إخلاصه في العبادة وتوبته، فلم يدعه البلاء للكفر بالله، ولا إلى عبادة غيره من الشركاء المزيفين. نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ يؤوب إلى الله ويتقرب إليه كلما ازداد بلاؤه.
[٤٥] وبعد أن اختتم السياق قصة أيوب وصبره، واستقامته أمام كل الضغوط، شفعها بالدعوة إلى ذكر بعض الأنبياء والتفكير في تأريخهم لأخذ العبر والدروس منه، إذ ينبغي للرساليين أن ينظروا في تاريخ قادتهم وإخوانهم الذين سبقوهم، ويلاحظوا معاناتهم واستقامتهم لله، فإن ذلك يزيدهم إيمانا بخطهم الرسالي، وثقة بأنفسهم وتحركهم واستقامة
[١] تهذيب الأحكام: ج ١٠ ص ٣٢.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٢٣ ص.: ٢٨٤ «... فَأَمَرَ الإمام (عليه السلام) بِقُرْقُورٍ فِيهِ قَصَبٌ فَأُخْرِجَ مِنْهُ قَصَبٌ كَثِيرٌ ثُمَّ عَلَّمَ صَبْغَ المَاءِ بِقَدْرِ مَا عُرِفَ صَبْغُ المَاءِ قَبْلَ أَنْ يُخْرَجَ القَصَبُ ثُمَّ صَيَّرَ الفِيلَ فِيهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مِقْدَارِهِ الَّذِي كَانَ انْتَهَى إِلَيْهِ صَبْغُ المَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُوزَنَ القَصَبُ الَّذِي أُخْرِجَ فَلَمَّا وُزِنَ قَالَ عليه السلام: هَذَا وَزْنُ الفِيل».